كتاب يتتبع تاريخ الوقف في نزوى ومجالاته وإسهاماته في الحياة الثقافية والاجتماعية

«الوقف وأدواره الحضارية في نزوى» –

نزوى، «العمانية»: يُعد الوقف من أهم المؤسسات التي نمت وتطورت في أحضان الحضارة الإسلامية، وكان لها إسهاماتها في تطور المجتمعات الإسلامية، فقد قامت الأوقاف بدور حيوي وملموس على مرِّ العصور، وشملت مختلف جوانب الحياة. حيث أسهمت في إنشاء المؤسسات الدينية والعلمية ومؤسسات الرعاية الصحية والاجتماعية وكانت عاملًا قويًا في تعزيز عرى الروابط بين أفراد المجتمع. وإشاعة روح التكافل الاجتماعي، من حيث الإسهام في تحسين المستوى المعيشي للفقراء والمعسرين وأبناء السبيل منذ القرن الأول الهجري. تطورت مع الوقف عبر المراحل الزمنية التي مر بها- منظومة متكاملة لإدارته تمثلت في التنظير والتأصيل الفقهي لأحكامه، وتوثيق ملكيته، وتحديد أنواعه، إضافة إلى إدارته وتنميته واستثماره، وحمايته من المخاطر التي يتعرض لها، حيث استطاع بهذه المنظومة أن يصبح وجها إنسانيا راقيا من وجوه الحضارة الإسلامية محافظا على ديمومته عبر العصور.
برز الوقف في عُمان كغيرها من أقاليم العالم الإسلامي، وعُدّ أحد ركائز الحياة في المجتمع العماني في مختلف الجوانب الاجتماعية والثقافية والصحية وغيرها، متسمًا بسمات فرضتها طبيعة المنطقة ونظامها الاقتصادي والسياسي، إذ لا تكاد تخلو مدينة أو قرية عمانية من أوقاف في جانب أو أكثر. حيث وقف العمانيون لمساجدهم ومدارسهم ومكتباتهم وحاراتهم ولرعاية المرضى، وموارد المياه المتمثلة في الآبار والأفلاج. كما أوقفوا أموالًا للخدمات العامة مثل: الطرق والرحى والمقابر وغيرها من متطلبات الحياة في المجتمع العماني.
وتعد مدينة نزوى إحدى أبرز الحواضر العمانية باعتبارها عاصمةً سياسيةً لفترات طويلة من فترات التاريخ العماني، وكانت مركزًا من مراكز الإشعاع العلمي منذ القرن الهجري الثاني أيضًا، الأمر الذي نتج عنه إرث فكري وحضاري كبير ساهم في الحفاظ على أوقافها وتنميته وتطويره وتوثيقه في نسخ خاصة تعد وثائق نفيسة في هذا الجانب، وأسهم وجود العلماء والأئمة وعدد من الموسرين بها كذلك في وقف الكثير من الأموال في الجوانب الثقافية والاجتماعية.
يأتي كتاب «الوقف في نزوى وأثره في الحياة الثقافية والاجتماعية خلال الفترة (ق 4 هـ- 12هـ/‏‏ 10-18م)» للباحث العماني خالد بن محمد بن عدي الرحبي ليسد ثغرة في الدراسات المتعلقة بالأوقاف في عمان بشكل عام، حيث يتتبع الرحبي تاريخ الوقف في نزوى ومجالاته وإدارته وأثره وإسهاماته في الحياة الثقافية والاجتماعية خلال فترة زمنية طويلة، ويعود السبب في طول المدة المدروسة في مقابل حصر الرقعة الجغرافية مكانيا في نزوى إلى صعوبة الحصول على مصادر عن موضوع الوقف في عمان، ثم أن طول المدة يتيح للباحث القدرة على رسم صورة للواقع الحضاري المحدد، وحتى يتمكن الباحث كذلك من إبراز موضوع الوقف كجانب حضاري مهم له إسهامه في الحياة الثقافية والاجتماعية في عمان. الكتاب صدر عن منشورات مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي للدراسات العربية والإنسانية بجامعة نزوى، وقد صدرت الطبعة الأولى من الكتاب مطلع هذا العام 2019م. ويقع الكتاب في 240 صفحة.
وقسّم الباحث خالد الرحبي كتابه إلى خمسة فصول وخاتمة. تناول الفصل الأول مفهوم الوقف وتطوره وأهميته في الحضارة الإسلامية بوجه عام، ثم ظهوره في المدونات الفقهية العمانية قبل القرن الرابع الهجري، وملامح تطور الوقف في عمان منذ القرن الرابع الهجري وحتى القرن الثاني عشر الهجري، ثم تناول مظاهر تأصيل ثقافة الوقف في المجتمع العماني. في الفصل الثاني نجد معالجة لمسار التطور التاريخي للوقف في نزوى، حيث بدأ بالتعريف بمدينة نزوى، ثم ظهور الوقف في المدينة وتطوره، وتناول العوامل والدوافع التي شجعت على الوقف في المدينة وأنواع الأشياء الموقوفة فيها.
بينما يدرس الفصل الثالث آليات تنظيم الوقف وإدارته في نزوى ودور الوكلاء في ذلك وعلاقة الدولة بأموال الوقف، ثم تتبع توثيق الوقف وآليات حفظه، والمخاطر التي تعرض لها الوقف، بالإضافة إلى تثمير أمواله، وعلاقة أوقاف نزوى وغيرها من المدن والبلدان. يتطرق الفصل الرابع إلى أثر الوقف في الحياة الثقافية؛ إذ تناول الوقف في الحياة الدينية والحياة العلمية، ففي الحياة الدينية ثم بحث إسهام الوقف في بناء المساجد والمصليات وعمارتها وبناء مرافقها، بالإضافة إلى إسهام الوقف في تشجيع المصلين على العبادة في المساجد بما وفرته لهم من تسهيلات. وتوقف الفصل كذلك عند أثر الوقف في إقامة الشعائر الدينية الأخرى كالصيام وقراءة القرآن والحج إضافة إلى الكفارات والصلاة وإقامة حلقات الذكر.
في الفصل الرابع نجد الباحث يتوقف عند أثر الوقف في جوانب الحياة العلمية من حيث تفعيل الدور التعليمي للمسجد والذي شمل التعليم ونسخ الكتب وعرض النسخ ومقابلتها. بالإضافة إلى أثر الوقف في رعاية المتعلمين بمختلف فئاتهم (متعلمي القرآن، ومتعلمي الأثر ومتعلمي النحو وفقراء المتعلمين)، وتناولت الدراسة في هذا الفصل أيضا رعاية المدارس والمعلمين من حيث أبرز المدارس الوقفية في نزوى وتوفير الوقف ما يحتاجه بنيان تلك المدارس من إعمار، وكذلك طرائق استفادة المعلمين من أموال الوقف، ثم بيان أثر الوقف في رعاية الكتب والمكتبات.
في الفصل الخامس يتتبع الباحث أثر الوقف في الحياة الاجتماعية في مدينة نزوى، حيث بحث أثر الوقف في تفعيل الدور الاجتماعي للمساجد، وكذلك البعد الاجتماعي للأوقاف الخاصة بالعبادات، إضافة إلى دور الأوقاف في رعاية الفقراء وتوفير الخدمات العامة في المجتمع مثل: صيانة الطرق، والتنور، وتوفير الخل، وخدمات المقابر والأكفان، بالإضافة إلى إسهام الأوقاف في العادات الاجتماعية في نزوى. ثم تناول هذا الفصل إسهام المرأة النزوية في الأوقاف ومدى وعيها بحاجات مجتمعها، وتأثرها بما كان يجري في مجتمعها.