جرة قلم :كاتبة مسقط أو سيدة العتبات

محمود الرحبي –
الكتابة عن بشرى خلفان تستدعي مجموعة من المواضيع المتداخلة، إذ هناك تداخل بين الكاتب والإنسان، والعكس صحيح.. خيوط كثيرة تربط الحالتين.
ثمة زوايا متنوعة يمكن النظر والكتابة انطلاقا منها عن بشرى خلفان؛ بشرى -الكاتبة، بشرى -الصديقة، بشرى -المعلمة، بشرى -الأم وبشرى -المثقفة الناشطة، لذلك فإن أمسية التكريم التي أقامها لها مجموعة من الصديقات والأصدقاء، مؤخرا، في فضاء مقهى «هوم لاند» في المعبيلة الثامنة، كانت بدورها مفعمة بأمواج من الأحاسيس الصادقة.
أوراق ربيعية تفيض بالعاطفة والحب خطّتها وألقتها كاتبات وقريبات وصديقات وأصدقاء، وبعض هذه الأوراق جاءت «مسافرة» من خارج الوطن، كما حدث مع الكاتبتين الطبيبة باسمة العنزي والقاصة استبرق أحمد، إلى جانب حضور تميز بالكثافة والتلقائية والصدق في أبهى تجلياتها.
من الأمور التي يمكن استدعاؤها كذلك في الحديث عن بشرى خلفان دورها العضويّ في النضال الثقافي الفاعل. ويمكن أن نتذكر هنا، على الخصوص، دورها الأساسي في إدارة مختبر السرديات وتفعيله بالأسماء والنقاد واختيار المتدخلين والنصوص، من رواية وقصة؛ وفي كل ذلك كانت هي «المايسترو» الذي يوزع الأدوار ويقترح الجديد. استمرت فعاليات المختبر فترة لا بأس بها وكانت أنشطتها الأبرزَ بين الأنشطة الثقافية المحلية. ولا نستثني هنا، كذلك، دور بشرى في تنشيط فعاليات وورشات تعنى بالقصة.
وبالتركيز على بشرى -الكاتبة نلاحظ أنها تتميز بكون فضائها الأساسي، في قصصها أو في روايتها الوحيدة «الباغ»، هي مسقط، سواء كانت مسقط -الريف، كما في الرواية المذكورة أو مسقط -الحاضر، كما في مجاميعها القصصية، وخاصة مجموعتيها «حبيب رمان» و«صائد الفراشات الحزين».. ولكن رغم ذلك لا نعدم بعض القصص ذات البعد الفولكلوري القروي، مثل قصة «إفك»، الطويلة. لكن قصصا، مثل «هايدي والملائكة» و«جاز»، التي وردت فيها عبارات بالإنجليزية، ومعظم قصص مجموعة «حبيب رمان» تضعنا أمام كاتبة تتميز عن أقرانها بأن مسقط المدينة وتحوّلَها القيمي كانت مرصودة، بذكاء ونباهة، في قصصها.
أمرٌ آخر أودّ ذكره في هذه السطور عن بشرى خلفان في طريقة احتفائها المتميزة بإصداراتها هو مقدمات فرحها العفويّ الذي نجده، سواء في صفحتها في «فيسبوك» أو نلحظه خلال حفلات توقيع الكتب. وأذكر، مثلا، أنها حين وقّعت مجموعتها «حبيب رمان»، في الرواق السفلي بالنادي الثقافي، أحضرت معها صحنا وافرا من الرمان.. وبذلك خرجنا من الحفل بحبيب رمّان مكتوب وحُبوب رمّانات حقيقية، تذوقناها وسط أحاديث عن الكتابة والإبداع في أجواء احتفالية لا تُمحى من الذاكرة. واسمحوا لي هنا أن أفتح قوسا حول إمكانية اجتراح عتبة جديدة؛ فإذا كان رواد المدرسة النقدية الفرنسية ( البنيوية)، خاصة المنظر المعروف جيرار جينيت، قد أسهبوا في الحديث عن عتبات النص، بالبحث في العناوين والأغلفة والإهداءات وفي مقدمات النصوص عما يربط بينها وصلب ومواضيع النصوص، فهل يمكن كذلك الحديث عن عتبات تبدأ من الكاتب وليس من الكتاب أو من ما قبل النص؟ وبالتالي البحث عن الروابط الخفية بين أفعال الكاتب ونصه؟ وهي عتبات يمكن أن تشمل طريقة الكاتب في العرض والتوقيع واحتفائه بإصداره في مواقع التواصل الاجتماعي، وهو احتفاء أو احتفال ذو طبيعة بريئة في الغالب، لأن الكاتب، خاصة في وطننا العربي، لا يستفيد من طباعة الكتب وإعادة طباعتها إلا استفادات معنوية صرف، في ظل غياب الإقبال على الإصدارات، وأيضا في ظل استحواذ أغلب الناشرين بـ«غلة» بيع النسخ كاملة، فلا يبقى للكاتب إلا هذه المساحة من الفرح، التي ربما أمكن ربطها -بكيفية ما- بطبيعة الكاتب، الذي هو مصدر النص ومبدعه. وربما هذا الأمر يحتاج إلى باحثين مختصّين يخرجون بنظرية جديدة تصب في هذا السياق.
بقي الحديث عن رواية «الباغ»، وأستطيع أن أقول، في هذه الورقة الآنية، إنها من الروايات العمانية القليلة جدا التي حظيت بإقبال ملفت، إلى درجة أنه أعيدت طباعتها أكثر من مرة. وعند عتبات دورات معرض مسقط للكتاب، عادة ما يزفّ الناشر لبشرى خلفان خبر صدور طبعة جديدة.