«الأخبار الملفقة» .. حقيقة ضائعة ومواقف مرتبكة

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.co –

«الأخبار الملفقة» .. ومع أنها أخبار غير واقعية، أو متجاوز في عرضها بمغالطة في المعلومة، أو في المصدر الحقيقي، أو الزيادة أو النقصان، إلا أنها مع ذلك تلقى الاهتمام الكبير من الناس، وتأخذ جانبًا كبيرًا من التصديق، ودائمًا ترفق بمقولة: «لو ما كان صحيح ما قالوه الناس»، وهذه الصورة في حد ذاتها تؤصل جزءا من القناعات عند عامة الناس على وجه الخصوص.

بدأت الرؤية تتسع أكثر وأكثر فيما يخص «الأخبار الملفقة»، وبعد أن كان ينظر إليها بشيء من الإهمال، أو بعدم الالتفات على اعتبار أنها لا تقدم ولا تؤخر من الواقع شيئًا، أصبح ينظر إليها بشيء من الاهتمام، وقد تم تصنيفها اليوم -وعلى مستوى دولي- على أنها ظاهرة خطيرة، ويجب التصدي لها، نظرًا لتداعياتها الخطيرة على الأمن الاجتماعي؛ أولا؛ وهو الأهم، وعلى الأمنين: القومي والدولي، مع اليقين لدى الجميع أن «الأخبار الملفقة» هي صناعة إنسانية بامتياز، وأنها ليست وليدة الساعة، فهي متجذرة تاريخيًا، وتمارسها الإنسانية منذ ذلك الزمن البعيد، وما قصة النبي يوسف وإخوته عنا ببعيد.
وحتى لا يكون الحديث هنا يلقى على عواهنه، فإنني استشهد في بداية هذه المناقشة بالصورة التالية: «تحركت المفوضية الأوروبية، باتجاه إنشاء شبكة أوروبية لتعقب حقائق الأخبار المنشورة والمذاعة على حد سواء، عبر إنشاء إطار يضم مجموعة من الخبراء للتفكير في تداعيات الظاهرة، واقتراح الحلول الناجعة لها، كما شكلت عدة حكومات أوروبية، في برلين وباريس فرق عمل خاصة لمواجهة إشكالية الأخبار الملفقة» – حسب مصدر الـ(بي بي سي) العربي، ويضيف المصدر نفسه: «ومن وجهة نظر مختصين، فإن الحكومات العربية أيضًا وفي ظل غياب التشريعات، تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة في الترويج للعديد من وجهات النظر المغلوطة، بهدف السيطرة على تفكير الناس والترويج لوجهات نظرها وسياساتها الخاصة، وهو ما يسفر في معظم الأحيان من وجهة نظرهم عن حالة من التشوش» – انتهى النص – وكما قرأت أيضا أنه ونظرًا لهذه الظاهر الاجتماعية التي بدأت تتفاعل بصورة أكبر في ظل وجود وسائل التواصل الاجتماعي، السهل استخدامها من قبل جميع أفراد المجتمع، خلافًا لما كان عليه الوضع سابقًا، من حيث محدودية تداول هذه الأخبار قبل وجود هذه الوسائل اليوم، فإن هناك عددًا من الدول العربية بدأت تستشعر خطورة هذه الظاهرة؛ مع قدمها؛ حيث بدأت في الخطوات العملية نحو سن تشريعات، ونظم من شأنها أن تحد من استفحال الظاهرة عما هو مقبول ومعقول.
وعندما نذهب أكثر للإبحار في هذه الظاهرة القديمة المتجددة، يمكن القول إن: «الأخبار الملفقة».. لا يمكن الجزم أن هذا النوع من الأخبار هو وليد الساعة؛ كفكرة ناشئة في الفهم العام، فهي موجودة بقدم الإنسان نفسه، وحتى عهد قريب كانت هذه الأخبار تروّج في المجتمع، وبصورة كبيرة، وكانت تقابل بكثير من الرفض، حتى رافقها عبارة مشهورة عند الناس بقول: «هذه تخروفة معصرات» و«التخروفة أو الخروفة»؛ لمن لا يدرك معناه بالمحلي، هي خبر، أو حديث، سواء أكان مقبولا أو مرفوضا، صادقا أو كاذبا، يضيف معلومة، أو يربك أخرى، وأما «المعصرات»، فهي كلمة محلية تطلق على مجموعة النساء اللاتي يتجمعن أمام أحد المنازل في الحي «وغالبا ما تكون هذه التجمعات بعد صلاة العصر، ويتناولن في هذا التجمع القهوة، ويتناقلن الأخبار التي تدور في الحارة أو الحي، وقد تروي كل واحدة من النساء الخبر بطريقتها الخاصة، ووفق ما تحصلت عليه من معلومات وفق مصادرها الخاصة».
«الأخبار الملفقة» .. ومع أنها أخبار غير واقعية، أو متجاوز في عرضها بمغالطة في المعلومة، أو في المصدر الحقيقي، أو الزيادة أو النقصان، إلا أنها مع ذلك تلقى الاهتمام الكبير من الناس، وتأخذ جانبا كبير من التصديق، ودائما ترفق بمقولة: «لو ما كان صحيح ما قالوه الناس»، وهذه الصورة في حد ذاتها تؤصل جزءا من القناعات عند عامة الناس على وجه الخصوص، وهذه من الإشكاليات التي ترافق هذا النوع من الأخبار، أو من الأحاديث، سمها ما شئت. «الأخبار الملفقة» .. في أواخر عام 2006م اختفى عمي؛ شقيق والدي؛ رحمهما الله جميعا، وموتى المسلمين، في ظروف غامضة، وظل البحث عنه لأكثر من ثمانية أيام، وخلال هذه الأيام التي يتم البحث فيها، تلقينا أخبارا تكاد تكون خيالية، فمنهم من روى أنه رآه قبل يومين في القرية مجاورة، ومنهم من قال: إنه محجوز في مزرعة من مزارع القرى المجاورة؛ حسب ما سمع؛ ومنهم من قال أنه رآه في القرية ذاتها التي نعيش فيها، والحقيقة كانت أنه كان زائرا لأحد أقربائه في قرية مجاورة، غير القرى التي ذكرت في تلك «الأخبار الملفقة» وأنه كان آخر خروجه من القرية عند منتصف النهار، وكان الفصل صيفا، والحادثة كانت في شهر يونيو من ذلك العام، فالرجل ضربته شمس حارقة، وهو راجل غير مستخدم أية وسيلة في تنقله من قريته إلى تلك القرية، وفوق ذلك كان يعاني من مرض السكري والضغط، وهو رجل مسن، فتكالبت عليه كل هذه الظروف، فسقط مغشيًا عليه بجانب جبل صغير في المسافة الفاصلة بين القريتين، وعندما عثرنا عليه وجدناه جثة متفحمة من أثر الحرارة طوال مدة البحث، وحقيقة أربكتنا كثيرا تلك الأخبار غير الصحيحة، وقضت مضاجعنا في تلك الفترة، وقد سمعت قصصا مماثلة ألفت منها روايات غريبة وعجيبة، فهل الناس يتعمدون خلق مثل هذه الأخبار الملفقة أو الإشاعات لإيجاد حديث متواتر ومستمر؟ «الأخبار الملفقة» .. هي ذاتها التي تنقل أخبار الأحداث بصور مختلفة، هي تبدل فيها الشخصيات، وتبدل فيها الألوان، وتبدل فيها الأجناس، وتبدل فيها الأنواع بين (ذكر أنثى) وقد تستبدل دول بدل أخرى، أو أديان بأديان أخرى، أو مذاهب بمذاهب أخرى، كل ذلك يحدث لأن كل ذلك لا يعتمد على حقائق، ولا يعتمد على مصادر، وإنما مصادرها وفق ما يقال على الألسنة في لحظة قول الحديث، وفي لحظة استغفال الذاكرة، لأن الذاكرة قد لا تتفق مع ما يقال، والمنطق لا يتفق مع ما يقال، والواقع لا يتفق مع ما يقال، في كثير من هذه المواقف.
«الأخبار الملفقة».. تذهب إلى حيث اجترار المشاهد، واجترار العواطف، واجترار الدهشة، فلكي تعيش الآخر «المتلقي» في دهشة مما يسمع، عليك أن تخلق مجموعة من الأكاذيب، ومجموعة من الإشاعات، ومجموعة من مغالبة الواقع، ومجموعة من القفز فوق الحواجز، ومجموعة من القفز فوق المراحل، ولذلك هي مخضبة بالمبالغات غير المنطقية، حتى وإن حاول صانعوها أن يلبسوها شيئا من الحقيقة، فسوف تجد صياغاتها غير منطقية، ومراحل تكونها غير تراكمية، وقد يصعب قياسها مع مجريات الواقع، ومنطقيته المقبولة،
«الأخبار الملفقة» .. تتخذها بعض الدول الاستعمارية؛ منهجا للإساءة إلى الدول المناوئة لها في القوى، والمعاندة لها في التوجه، ولذلك إن رأت الدول ذات الأبعاد الاستعمارية أنها غير قادرة على المواجهة، تسعى إلى تكوين حشد دولي كبير، تقنعه بمجموعة من هذه «الأخبار الملفقة» وتضخم فيها بالإشاعات، وبالأكاذيب، حتى تتحول الإشاعة إلى حقيقة، والكذب إلى صدق، واللامعقول إلى معقول، حيث تشحن الذاكرة الجمعية بمساعدة الآلة الإعلامية لتكون قطيعا مدجنا، فاقدا لهويته، ومنفلتا في تقديراته، ومنسلخا من عقائده، ومتنازلا عن مجموعة من قناعاته، وعندها تكون الطرق يسيرة للانقضاض على الفريسة أمام مشهد العالم وسمعه، وبعد نيف من السنين تظهر الحقائق، ولكن بعد أن راح ضحية ذلك مئات الآلاف من البشر، ومثلها من انتهاك الحرمات التي لم تراع فيها إلا ولا ذمة، وتكون النتائج قاسية.
«الأخبار الملفقة» .. هل الجميع منتبها لها، ويقصد بالجميع هنا: الفرد، الجماعة، الدولة، الدول، المجتمع الدولي؟ والإجابة تكون؛ نعم؛ ومع ذلك يستمرئ الجميع فعل ممارستها، وتكرار تجاربها، وفي المقابل؛ يغض الطرف عن كثير من تداعياتها، حيث تعامل وكأنها موقوتة بظرفية حدوثها لا أكثر، وهذه هي الإشكالية الواقعة، ولا مفر منها، لأنه بقدر ضررها على واقع الناس، هي؛ في المقابل؛ تقتات عليها فئات أخرى، تتقرب من خلالها إلى آخرين يهمهم أن يسمعوا كثيرا، ويغربوا بذاكرتهم عن الواقع كنوع من التسلية، هذا على مستوى الفرد، أما على مستوى المجموعات، ومنها الدول، فإن في ذلك ضررا كبيرا، وتداعيات مؤلمة، وخطيرة، ومع ذلك يبقى الإنسان هو الإنسان من يصوغ هذه «الأخبار الملفقة» وهو من يتضور أسى من نتائجها، إنها مفارقة غريبة بكل المقاييس.