مسؤولية القوى الكبرى عن عجز الأمم المتحدة

د. عبد العاطي محمد –

في السنوات الأخيرة، تتجه الأنظار إلى الأمم المتحدة مع انعقاد دورة جديدة للجمعية العامة، وسط مشاعر وآراء مختلفة تجمع ما بين استمرار الأمل المعقود على المنظمة الدولية للقيام بمسؤولياتها التي نص عليها ميثاقها عند إنشائها عام 1945 سواء فيما يتعلق بالأمن والسلم الدوليين أو التنمية الاقتصادية، وبين الشكوى من عجزها عن القيام بهذه المسؤوليات.

وتتشكل هذه المشاعر والآراء وفقا لخصائص البيئة الدولية المعاصرة، فعندما تكون هذه البيئة هادئة ومستقرة تحرز المنظمة الدولية قدرا من النجاح، وبالتالي تتحسن صورتها في نظر الرأي العام العالمي، بينما تتصاعد حدة الشكوى منها إلى حد الاستنكار كلما تعددت الأزمات وتعثرت حلولها وتفاقمت إلى حد الحروب الأهلية.
ولأن منطقة الشرق الأوسط أضحت تتصدر مصادر الأزمات الدولية المعاصرة لم يكن مفاجئا ألا يأتي انعقاد الدورة 74 للجمعية العامة أفضل حالا مما كان عليه العام الماضي. المنطقة ازدادت سخونة إلى حد تهديد الأمن والسلم الدوليين فعلا وليس قولا فقط، والشواهد على ذلك كثيرة. فلقد تفاقمت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، ولم تعد خلاف على الاتفاق النووي فقط، بل تعدته إلى تهديد أمن الخليج والقلق على سلامة الملاحة لناقلات النفط. وكلاهما لا يتردد في التهديد بأن جميع الخيارات مفتوحة. فضلا عن حدوث تطورات عسكرية في الملف السوري أحدثت اضطرابا في مواقف الأطراف المعنية، تتعلق بانهيار الهدنة الأمنية في إدلب والفشل في إقامة المنطقة الآمنة، وبتصاعد الخلاف الأمريكي التركي حول مستقبل الأوضاع في الشمال الشرقي للبلاد الذي يسيطر عليه الأكراد. والتطورات في الملف اليمنى ازدادت خطورة، مع استمرار أمد الحرب، وعدم حدوث تقدم يذكر في جهود مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة لتنفيذ ما جاء في اتفاق بروكسل بين الحكومة الشرعية والحوثيين. وعلى صعيد آخر أصبح المستقبل المنظور للتسوية السياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين مجهولا، وذلك على ضوء الغموض الأمريكي المتعلق بما يسمى صفقة القرن وعدم استقرار الأوضاع السياسية في إسرائيل.
ولا شك أن هناك قضايا وأزمات أخرى تشغل العالم، وتجد اهتماما قويا من جانب الجمعية العامة في كل دورة, ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر، امتلاك كوريا الشمالية للسلاح النووي وما يحدثه ذلك من توتر ليس فقط مع الولايات المتحدة وإنما مع الشطر الثاني أي كوريا الجنوبية، وتجدد التوتر بين الهند وباكستان بعد أن أعلنت الهند إلغاء وضعية الحكم الذاتي في كشمير. وهناك توتر في العلاقات بين الولايات المتحدة وفنزويلا، الذي لم يعد ثنائيا بل أصبحت له امتدادات دولية. ولا تزال تداعيات أزمة استعادة روسيا للقرم من أوكرانيا مستمرة. ومع ذلك فإن كل هذه الأزمات لا تقلق العالم بنفس قدر القلق الذي تسببه أزمات الشرق الأوسط، ليس فقط للأهمية الإستراتيجية للمنطقة بحكم وجود النقط وتوسط ممرات التجارة العالمية وزرع الغرب لدولة إسرائيل. وإنما أيضا لاندلاع حروب أهلية فيها مستمرة لسنوات، وكذلك لأن نشاط جماعات الإرهاب قد انطلق منها.
ولذلك فإن جدول أعمال الجمعية العامة على مدى العقدين الأخيرين يمتلئ بقضايا تخص الشرق الأوسط بصفة أساسية. كما أن معظم إن لم يكن كل قرارات مجلس الأمن اختصت بأزمات الشرق الأوسط. وهذا يعني أن المنظمة الدولية معنية بالمنطقة أكثر من غيرها باعتبارها مصر الإزعاج الدائم لعالم اليوم!. ومما يضاعف من اهتمامها أن جميع الأزمات لم تجد طريقها إلى الحل برغم انخراط المنظمة الدولية فيها بشكل كبير، والفشل يوجه في هذه الحالة إليها، مثلما يوجه إلى الأطراف المعنية بشكل مباشر والدول الكبرى التي تتصدر مشاهد هذه الأزمات. ولكي تدرأ الشكوى أو الاتهام بالفشل تحرص الأمم المتحدة على التعبير عن المزيد من الاهتمام والجهد. ولعل التداعيات الإنسانية السيئة لكل أزمات المنطقة من الأوراق التي تستخدمها المنظمة الدولية في الضغط على الدول الكبرى وتحديدا الدول الخمس صاحبة حق الفيتو أو الاعتراض في مجلس الأمن، دفاعا عن دورها ووجودها في حد ذاته، ولمساعدتها على القيام بواجباتها على نحو أفضل.
ورغم الثقل الذي تحظى به الجمعية العامة, بوصفها الهيئة التي تضم كل أعضاء الأمم المتحدة (193 عضوا)، وبحكم الصلاحيات التي أتاحها لها ميثاق المنظمة الدولية، ومنها حق مناقشة أية مسألة أو أمر يدخل في نطاق الميثاق أو يتصل بسلطات فرع من الفروع المنصوص عليها فيه أو وظائفه، واتخاذ توصيات تخصها وتلتزم بها أو يتم توجيهها إلى مجلس الأمن, ولها أن تسترعي نظر مجلس الأمن إلى الأحوال التي من المحتمل أن تهدد الأمن والسلم الدوليين للخطر. وبرغم أنها استطاعت أن تناطح مجلس الأمن في مناسبات عديدة، حتى أنها استطاعت استصدار القرار 377 عام 1950 والمعروف بقرار الاتحاد من أجل السلام، ومؤداه ببساطة أن الجمعية العامة تستطيع أن تسحب ملف أزمة ما من المجلس وتصدر هي فيه القرار إذا ثبت عجز المجلس عن معالجته. برغم هذا وذاك فإن الحقيقة هي أن الجمعية العامة أسد بلا أنياب! إن جاز التعبير، فكل قراراتها مجرد توصيات، ومن الصعب للغاية أن تسحب ملفا من مجلس الأمن، لأن ذلك لا يتحقق إلا برضاه أي بأن يرسل للجمعية ما يفيد طلبه بأن تتولى هي الأمر!.
ومع ذلك فإن كلا من مجلس الأمن والجمعية العامة يمثلان معا شخصية الأمم المتحدة، ويتحدثان باسمها، ونجاح أو فشل أي منهما هو نجاح أو فشل للمنظمة الدولية ككل. فالمسؤولية مشتركة، والأهداف ومبادئ العمل واحدة وان اختلفت الوظائف. وعليه فإن الرأي العام العالمي بل والحكومات أيضا تتعامل مع كل منهما على أنهما جزء لا يتجزأ من الأمم المتحدة وما يصدر عن أي منهما يجب أن يحترمه الجميع وينصاع له. وقطعا لا تخلو المسيرة الطويلة للأمم المتحدة (74 عاما) من خلافات تصل إلى حد الصدام بين مجلس الأمن والجمعية العامة، لأن المصالح والأهداف والسياسات مختلفة بين الدول صاحبة حق الفيتو وبقية أعضاء الأمم المتحدة، بل هي مختلفة بين دول الفيتو أنفسهم. وبالمقابل لا تخلو المسيرة من تعاون بين الهيئتين.
ولكن في السنوات الأخيرة أصبحت مساحة التعاون أو الاتفاق بين مجلس الأمن والجمعية العامة واسعة بشكل ملحوظ. والملاحظة الظاهرة للجميع بناء على فقدان التعاون أو الاتفاق هي أننا أمام مجلس أمن مشلول الفاعلية, حيث الاستخدام الدائم المتبادل من جانب الكبار الدائمين لحق الفيتو, وجمعية عامة أقل تأثيرا عما كانت عليه في أزمنة سابقة. وقد انعكس شلل مجلس الأمن ومحدودية تأثير الجمعية العامة في تراجع التقدير للأمم المتحدة وأحيانا في كيل الاتهامات لها بأنها متخاذلة أو خاضعة لنفوذ هذه القوة الكبرى أو تلك. ويرجع ذلك إلى عاملين رئيسيين يرتبطان بالوضع العالمي والإنساني المعاصر. أولهما يتعلق بطبيعة العلاقة بين الدول دائمة العضوية، وثانيهما يخص التطور الذي لحق بطبيعة الأزمات ذاتها. فأما ما يخص علاقة الكبار فإنها أصبحت تتسم بعدم الثقة المتبادلة.
فالخلاف في وجهات النظر أمر مفهوم وطبيعي، ولكن ما يحدث هو فقدان للثقة من جانب كل قوة كبرى تجاه الأخرى، ونتج ذلك عن الصدمة من التجارب التي هزت ضمير العالم في السنوات الأخيرة بدءا من حرب البوسنة والهرسك وصولا إلى الحروب الراهنة في اليمن وسوريا وليبيا مرورا بالحرب على العراق. فقد حدث انقسام في المجتمع الدولي بين من اعتقدوا أنهم تعرضوا للخداع وأيدوا خطوات أو قرارات داخل مجلس الأمن وخارجه لم تكن صادقة بل تخدم أغراض مستترة لدفع الآخرين لتأييدها. وبناء على فقدان الثقة فإن السلاح السياسي المستخدم بين الدول الدائمة العضوية هو الانتقام بإجهاض أي قرار يتبناه الآخر. وإلا بماذا نفسر الإصرار على الخصومة بين كل من روسيا والصين من جهة، وبين الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا من جهة أخرى، فيما يتعلق بالقرارات التي تصدر تجاه القضايا الأبرز في الشرق الأوسط ومنها مثلا ما يتعلق بالتطورات في الأزمة السورية. وأما التحول المعاصر في طبيعة الأزمات فإنه يتعلق بمفهوم الحرب الذي اتسع وأصبح فضفاضا ومن ثم رتب مواقف وتحركات دولية مغايرة لما عرفه العالم طوال سنوات الحرب الباردة.
لم يعد مفهوم الحرب الذي يشير إلى كونه أعمالا عسكرية عدائية متبادلة بين دولتين أو أكثر هو المعنى السائد، وإنما حلت محله مفاهيم أخرى مثل الحرب الأهلية، وحروب الجيل الرابع وربما الخامس مستقبلا. وهنا ينقسم المجتمع الدولي بين من يعتبر حرب ما، ما هي إلا شأن داخلي وإنساني، وبين من يعتبرها حربا مكتملة الأركان، ثم تمثل تهديدا صريحا للأمن والسلم الدوليين.
وهكذا تجد الأمم المتحدة نفسها أمام قوى كبرى متخاصمة ويصعب إن لم يكن يستحيل اتفاقها، وحروب تتعامل معها هذه الدول برؤى مختلفة. والنتيجة لهذا وذاك، هو ظهور الأمم المتحدة بمظهر العاجز.