الفرنسية: جاك شيراك الرئيس الشعبي بامتياز

أجمعت الصحف الأوروبية والفرنسية الصادرة صباح الجمعة الماضي بالإشادة بالرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك الذي توفي بعد ظهر الخميس السادس والعشرين من سبتمبر الحالي. جريدة لو فيجارو الفرنسية اليمينية المحافظة كتبت أنَّ الرئيس شيراك هو أكثر رئيس أحَبَّ الفرنسيين في الجمهورية الخامسة. أحب فرنسا كالجنرال ديغول لكنَّه كان يحب باريس كثيراً جداً وكذلك كان شعوره تجاه منطقة كوريز مسقط رأسه. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ألقى كلمة متلفزة للفرنسيين قال فيها إن فرنسا خسرت رئيساً أحبها وأحبَّته. كتبت جريدة لوموند الفرنسية المحافظة الواسعة الانتشار أنَّ الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك الذي توفي عن عمر ست وثمانين سنة، كان رئيساً شعبياً بامتياز، وقد تولى الرئاسة ما بين الأعوام 1995
و2007. في بداياته السياسية كان جاك شيراك مساعداً للرئيس جورج بومبيدو. عُيِّن مرتين رئيساً للوزراء وتولى منصب عمدة باريس طوال ثمانية عشر عاماً. في العام 2002 عند انعقاد قمة الأرض في البرازيل، كان الرئيس شيراك أول مسؤول غربي يدق ناقوس الخطر للتنبيه من التغيُّر المناخي. على الصعيد العالمي، كان الرئيس الغربي الأول الَّذي عارض التدخل الأمريكي في العراق، كما كان علناً ضد أية حرب تُشَنُّ على العراق وتسبب ذلك بتوتر في العلاقات بينه وبين الرئيس الأمريكي آنذاك جورج بوش الابن.
دافع عن القضية الفلسطينية وزار الأراضي المقدسة وفلسطين حيث استقبله الناس بعطف شديد.
على الصعيد الداخلي ألغى الرئيس شيراك التجنيد الإجباري، وزاد من القدرات النووية الفرنسية، وسعى منذ بداية العام ألفين إلى تهيئة فرنسا اقتصادياً لمواجهة تحديات العولمة، متولياً مرحلة انتقال فرنسا بين القرنين العشرين والحادي والعشرين. إنَّه الرئيس الذي طبع الحياة السياسية والاجتماعية الفرنسية طوال أربعة عقود. نسج مع نظرائه الأوروبيين علاقات تميَّزت بالخصومة تارة وبالإعجاب والتقدير لشخصه تارة أخرى. كان شديد الالتزام بوعوده. جريدة ماريان الفرنسية تناولت موضوع شعبية هذا الرئيس وقد تضاعفت بعد أن ترك سدَّة الرئاسة في العام 2007، فالفرنسيون يرون فيه رئيساً محبباً قريباً من همومهم ومشاكلهم يؤأزرهم ويكترث لهم. يومية لا كروا اعتبرت أن الفرنسيين سيفتقدون رئيساً يرمز إلى فترة الرخاء التي عرفتها فرنسا ما بين السبعينات والتسعينات وهو الرئيس الذي جسَّد طوال أربعين عاماً صورة فرنسا الوفية بالتزاماتها والمتضامنة مع حلفائها بخاصة عندما يكونون على صواب ولم يجعل يوماً بلاده تبدو وكأنها تابعة لأية مجموعة دولية أو قوة عُظمى.
كان الرئيس جاك شيراك شديد الحرص على جودة العلاقات الفرنسية الألمانية والفرنسية الأوروبية مع العلم أنَّه أحيانا كان يعبّر عن نظرة خاصة إلى البناء الأوروبي. رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر كان رئيساً لوزراء اللوكسمبورج طوال الفترة التي كان فيها الرئيس شيراك رئيساً لفرنسا وقد أعرب عن حزنه الجارف لخسارته واصفاً إياه بالفرنسي الأوروبي، لأنه تمسَّك بالمشروع الأوروبي. المستشار الألماني الأسبق جيرهارت شرودر وصف الرئيس الراحل بأنه رجل دولة أوروبي يقدّر التاريخ ويفهمه ويستفيد من عِبَرِه. أسبوعية لوبوان الفرنسية كتبت أنَّ الرئيس شيراك كان محبَّاً للحياة، لطيفاً، ومقرَّباً من الشعب لدرجة تسميته «أب الأمَّة». وبالعودة إلى صحيفة لوموند الفرنسية فقد أوردت أنَّ المستشارة الألمانية انجيلا ميركل اعتبرت أنها خسرت شريكاً سياسياً كبيراً وصديقاً عظيماً. وقد ورد في صحف فرنسية عديدة أنَّ الرئيس شيراك كان آخر الرؤساء الفرنسيين الحقيقيين وهو سيوارى الثرى في مقبرة مونتبارناس الباريسية بالقرب من ابنته لورانس. الحكومة الفرنسية أعلنت عن يوم حداد وطني عام الإثنين في الثلاثين من سبتمبر.
الجدير بالذكر أنه منذ العام 1958 سبعة أيام حداد رسمي فقط تم تعيينها وهي على التوالي: التاسع من نوفمبر 1970 عند وفاة الرئيس الجنرال ديجول، الثاني من أبريل 1974 عند وفاة الرئيس بومبيدو، الثامن من يناير 1996 عند وفاة الرئيس فرنسوا ميتران، الحادي عشر من سبتمبر 2001 عند حصول الاعتداءات الإرهابية في الولايات المتحدة الأمريكية، في الثالث عشر من نوفمبر 2015 بعد الاعتداءات الإرهابية في باريس، والرابع عشر من يوليو 2016 بعد الاعتداءات
الإرهابية على مدينة نيس الفرنسية.