ولاية بهلا مدينة عالمية للحرف.. وماذا بعد؟؟

سالم بن سيف العبدلي –
samadshaan@yahoo.com –

عندما تزور ولاية بهلا العريقة والتي تقع في محافظة الداخلية فإنك تعيش عبق الماضي وأصالة التاريخ وتفتخر بعظمة الإنسان العماني الذي استطاع أن يكوّن حضارة عريقة موغلة في القدم ويشيد مجدا تليدا، فأقام القلاع والحصون على سفوح الجبال وفي المرتفعات والمواقع الاستراتيجية، وشق الأفلاج والعيون وأنشأ الواحات والقرى الجميلة على ضفاف الأودية وشق القنوات المائية وسخر الطبيعة لصالحه، مدينة بهلا نموذج حي لرحلة طويلة ومستمرة من العطاء والجد والاجتهاد والتضحيات وستظل كذلك بإذن الله تعالى ويقول الحكماء: «إن من ليس له ماض فلا حاضر له».
تبهرك بهلا بقلعتها العظيمة وسورها الممتد الذي شيد منذ مئات السنين والذي يحيط بالمدينة ولا تزال معالمه واضحة وسوقها القديم الذي تم ترميمه منذ فترة ليست ببعيدة هذه المكونات والعناصر التراثية المنسجمة مع بعضها البعض جديرة بالاهتمام والرعاية.
مدينة بهلا استحقت بجدارة ان تكون مدينة عالمية للحرف فهي تجمع في جنباتها العديد من الصناعات الحرفية والمشغولات اليدوية وصناعة الفخار والخزف والسعفيات والنسيج التي كلها تصنع بأيد عمانية ماهرة وبخامات محلية ولا تزال محافظة على أصالتها رغم عوامل مرور الزمن ولم تتأثر تلك العناصر بالحداثة التي نافست القديم في بقاع كثيرة من المعمورة أما هنا فظل القديم محافظا على أضالته وتكيف مع الجديد وكونا منظومة متكاملة ومتجانسة.
في شهر يوليو المنصرم زار المدينة وفد من مجلس الحرف العالمي برئاسة رئيسة مجلس الحرف العالمي لإقليم آسيا والمحيط الهادي وعضوية عدد من المحكمين الدوليين المختصين في المجالات الحرفية من أجل التقييم الميداني لترشح الولاية لنيل لقب مدينة عالمية للحرف حيث إنها استوفت كل الشروط والمعايير التي وضعها المجلس وقد أشاد الوفد بما شاهده من تنوع تراثي وتعدد وتنوع في الحرف التقليدية ومن محافظة على هذا الإرث الحضاري.
ويأتي اختيار بهلا كمدينة حرفية على المستوى الدولي لاستيفائها المعايير والاشتراطات الحرفية والثقافية والاجتماعية التي أقرها مجلس الحرف العالمي في منح لقب مدينة عالمية للحرف وفق رؤية استدامة التنمية وشموليتها وقد اطّلع الوفد على مجموعة واسعة من الأنشطة والفعاليات الحرفية بولاية بهلا، حيث اشتمل البرنامج الميداني للفريق على الالتقاء بعدد من المسؤولين في مختلف المؤسسات الرسمية بمحافظة الداخلية والاطلاع على عرض مرئي تفصيلي عن كافة الملامح والجوانب الحرفية المجيدة لولاية بهلا.
زار الفريق عددا من المواقع التقييمية كمركز تدريب وإنتاج الفخار والخزف بولاية بهلا ومصانع الفخار الأهلية ومواقع التربة المستفادة في تصنيع الفخاريات والخزفيات ومواقع حرفية تعليمية للناشئة، إلى جانب زيارة الموقع المخصص لإنشاء كلية الأجيال لعلوم الصناعات الحرفية والمهن التقليدية، والاطلاع على مشروع واحة بهلا الأثرية المدرجة ضمن قائمة التراث العالمي باعتبارها أول محمية ثقافية في السلطنة وموقع سلوت الأثري.
دول كثيرة تحاول ان تصنع لنفسها مجدا وتاريخا من لاشيء بل وتتحايل على تراث غيرها وتنسبه إليها وتستخدم شتى الطرق من أجل ان تكوّن لنفسها مكانة وسمعة تاريخية بينما نحن نملك تاريخا عظيما إلا انه وللأسف الشديد لم نسخره ولم نستغله حتى الآن بطريقة صحيحة ومنظمة فمثل هذه المواقع يمكن أن تكون ذات جذب سياحي مهم.
وهنا نتحدث عن ولاية بهلا التي نالت شرف المدينة العالمية للحرف وهذا اللقب لا يمنح إلا للمدن العالمية التي تستوفي الشروط لذا نقول بعد هذه الخطوة هناك خطوات عديدة ينبغي القيام بها؛ أولها وضع إستراتيجية طويلة الأمد واضحة المعالم لتطوير المدينة وتأهيل وترميم بعض معالمها التي بدأت في الانهيار مثل السور وبعض الحصون الحيطة بها، وفي هذا المجال يمكن إشراك القطاع الخاص للقيام بإدارة هذا المشروع الحيوي المهم من خلال شراكة حقيقة مع الحكومة وهناك شركات عالمية متخصصة يمكنها ان تجعل من هذه المدينة نموذجا فريدا على مستوى المنطقة.
من الأشياء التي نحلم بها ان تكون في بهلا مهرجانات وفعاليات عالمية ثقافية وفنية منتظمة تراعي الخصوصية العمانية على أن يتم إقامة مسرح عالمي قريب من القلعة تستخدم فيه التقنيات الحديثة كنظام الصوت والصورة لشرح معالم المدينة وتاريخها القديم إضافة الى الأسواق التقليدية والمطاعم الشعبية التي تعج بالحركة والنشاط وهذا طبعا غير مستحيل ويمكن أن يتحقق إذا ما وجدت الرؤية الواضحة والتخطيط السليم والإرادة والعزيمة والإخلاص.