شيراك والبناء الأوروبي: معارضة ثم تأييد لدواع براجماتية

بروكسل – (أ ف ب): بعدما عارض جاك شيراك في بادئ الأمر قيام كتلة أوروبية تتخطى الحدود الوطنية، عاد وانضم إلى مشروع هذا البناء محرزا نتائج متفاوتة، بين المواكبة الناجحة للانتقال إلى اليورو، وهزيمة سياسية مدوية في استفتاء 2005 حول الدستور الأوروبي.
وهتف شيراك في النداء الشهير الذي أطلقه في 6 ديسمبر 1978 من مستشفى كوشان في باريس إلى حيث نقل إثر تعرضه لحادث سير «لا لذوبان فرنسا الدولي» منددا بـ(حزب الخارج)، في إشارة إلى حزب «الاتحاد من أجل الديمقراطية الفرنسية» المؤيد لأوروبا، برئاسة خصمه الرئيس فاليري جيسكار ديستان.
وخلال حملته للانتخابات الأوروبية عام 1979، كان رئيس الوزراء السابق يحمل خلال مهرجاناته على «أوروبا العجوز هذه» «المفتوحة على كلّ أزمات العالم»، أوروبا «غير أوروبية، بل تحت هيمنة المصالح الألمانية الأمريكية».
وحلت قائمته «الدفاع عن مصالح فرنسا في أوروبا» في المرتبة الرابعة، فيما تصدرت النتائج قائمة سيمون فايل من الاتحاد من أجل الديمقراطية الفرنسية، تليها الاشتراكيون ثم الشيوعيون.
وفي نهاية المطاف، وبعدما عارض شيراك حتى انضمام إسبانيا والبرتغال إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية تحت شعار الدفاع عن مصالح المزارعين، أيد مشروع البناء الأوروبي. وخلال الحملة التي سبقت الاستفتاء حول معاهدة ماستريشت عام 1992، دعا إلى التصويت بـ«نعم» على الوثيقة المؤسسة للاتحاد الأوروبي، فيما كان جزء من حزبه «التجمع من أجل الجمهورية» يخوض حملة من أجل التصويت بـ«لا».
يعلق المؤرخ جيروم بوتزي المتخصص في الديغولية «في هذا الوقت، أدرك جاك شيراك جيدا أنه من أجل أن يكون له مقام يليق بالرئاسة، لا بدّ له أن يكون أوروبي التوجه»، مضيفا «إنه زواج عقلاني».

«متأسف»

وأقر السفير السابق بيار سيلال الذي عينه شيراك عام 2002 لتمثيل فرنسا لدى الاتحاد الأوروبي «لم يعتنق أوروبا بدافع الشغف، بل اعتنق أوروبا بدافع الواجب. لم يكن يوما فيدراليا متحمسا ولا مولعا بكيان يتخطى الحدود الوطنية».
وتابع الدبلوماسي «لكنه كان يدرك أنه ورث، وخصوصا من الجنرال ديغول، المصالحة الفرنسية الألمانية والسوق المشتركة»، مشددا على أن الرئيس الأسبق «لم يخذل أوروبا مرة في الأوقات الحاسمة».غير أن حصيلة شيراك الأوروبية تبقى مطبوعة بإخفاق كبير أدى إلى تعطيل الاتحاد الأوروبي، حين رفض الفرنسيون في استفتاء في 29 مايو 2005 المعاهدة التي تنص على اعتماد دستور لأوروبا.
وبعدما أقدم بنفسه على المجازفة باختياره طرح الاتفاقية في استفتاء شعبي وليس في البرلمان، أعرب شيراك عن أسفه في ختام آخر مجلس أوروبي حضره في عهده عام 2007، فقال إنه «متأسف ربما لعدم القيام بكل ما كان ينبغي» لتجنيب أوروبا هذه النكسة.
وترى المؤرخة ماريون غايار المتخصصة في البناء الأوروبي، أن شيراك «لم يكن شخصا حمل رؤية لأوروبا» ولو أنه لعب دورا هاما في الانتقال إلى العملة الموحدة، ولا سيما من خلال دعمه لاتفاقية ماستريشت، وفي إعطاء دفع جديد لسياسة الدفاع الأوروبية.
وذكرت بأن القمة الفرنسية البريطانية بين جاك شيراك وتوني بلير في سان مالو في ديسمبر 1998 أفضت إلى اعتماد السياسة الأوروبية للأمن والدفاع.
لكن رئاسته الفرنسية للاتحاد الأوروبي في النصف الثاني من العام 2000 لم تكن بمنأى من الانتقادات، وكذلك معاهدة نيس التي أقرت خلالها وواجهت انتقادات أخذت عليه افتقارها إلى الطموح.
كما أثار الرئيس الأسبق حملة تنديد عام 2003 بانتقاده دول أوروبا الشرقية المرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، إذ قال لممثليها إنهم «أهدروا فرصة جيدة للزوم الصمت»، إذ أيدوا الموقف الأمريكي حيال العراق، وهو موضوع شائك كان على توافق بشأنه مع المستشار الألماني آنذاك غيرهارد شرودر.