هل يتم عزل الرئيس ترامب ؟

إميل أمين – كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –

قبل أيام أشارت صحيفة «ذا هيل» الأمريكية إلى أن غالبية الأمريكيين ضد إجراء عزل الرئيس الأمريكي ، وقد استندت في ذلك إلى استطلاع جديد للرأي أجرته جامعة كوينيباك نهار الأربعاء 25 سبتمبر لجاري قال فيه 37% فقط من الناخبين المسجلين إنه يجب عزل ترامب وإزاحته من منصبه، في حين قال 57 % ممن شملهم الاستطلاع انه لا ينبغي عزله.

على حين غرة ومن جراء تسريب معلوماتي من داخل البيت تقول الأنباء انه موصول بأحد رجالات الخدمة السرية من حول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انفجرت إشكالية كبرى، حول قيام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستغلال منصبه الرئاسي في التأثير على مجريات الانتخابات الرئاسية القادمة 2020 والاستعانة بدول خارجية في سعيه هذا، الأمر الذي يمكن أن يكبده خسارة موقعه وموقعه في الحال، ويحرمه من الترشح لولاية ثانية في الاستقبال .
عدة أسئلة ينبغي علينا التوقف أمامها بدءا من ما الذي فعله ترامب وهل الأمر يمكن أن يؤدي قانونيا إلى عزله، ومن يقف وراء الدفاع به إلى خارج البيت الأبيض، ثم ما هي قصة رؤساء أمريكا مع عملية العزل وهل سبق أن عزل رئيس أمريكي سابق أم لا ؟
ربما يضيق المسطح المتاح للكتابة عن سرد وعرض الأمر برمته بتفصيل شاف واف ولهذا سنحاول بدون تقصير مخل ، بلورة المشهد الأمريكي الآني في سطور قليلة.
بداية يمكن القول أن الحزب الديمقراطي ومنذ الساعات الأولى لانتخاب الرئيس ترامب، وهو ساع إلى مواجهة حتمية قدرية مع الرئيس الذي جاء من خارج السياقات السياسية التقليدية، والديمقراطيون قد اظهروا رغبة مبكرة في إقصاء ترامب.
الرغبة التي نتحدث عنها تمثلت فيما عرف باسم «روسيا – غيت»، والتي ذهب فيها الحزب الديمقراطي إلى أن ترامب تعاطى مع الروس لاختراق حملة المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، وقد أدى الأمر إلى تشكيل لجنة تحريات خاصة أخذت نحو عامين في محاولة لإثبات علاقة ترامب بالروس، غير أنها في نهاية الأمر لم تجد أي دليل يمكن أن يؤدي إلى إدانة الرئيس، وقد كان المطلوب إثبات هذه العلاقة بهدف البدء في إجراءات عزل الرئيس ترامب .
كيف ومتى يعزل الرئيس الأمريكي أي رئيس بشكل عام، وما هي الأطر والملابسات السياسية التي يمكن أن تقود ساكن البيت الأبيض إلى العزل أو السجن، وهل تم من قبل بالفعل عزل احد رؤساء البلاد ؟
الأصل في مسألة العزل أنها مشتقة من القانون البريطاني أول الأمر، وقضية العزل هي قضية لها مسارتها ومساقاتها الطويلة جدا، وتبدأ من عند فتح تحقيق تشريعي في انتهاكات قانونية أو شخصية تم ارتكابها من قبل أي موظف حكومي .
والشاهد أن الدستور الأمريكي ينظم مسألة عزل الرئيس من خلال الدستور، والذي يشير في البند الثاني إلى أن مجلس الشيوخ هو السلطة الوحيدة لمحاكمة جميع تهم الإقالة أو العزل. وعند الاجتماع لهذا الغرض يجب أن يكونوا على القسم ، وعند محاكمة رئيس الولايات المتحدة يتولى رئيس المحكمة العليا رئاسة الجلسة، ولا يجوز إدانة أي شخص دون موافقة ثلثي الأعضاء الحاضرين .
هل يعني ذلك أن مجلس النواب ونانسي بيلوسي تحدّيًا، لا أهمية لهم ولا خوف من اتهاماتهم للرئيس ترامب ، وأنها سوف تذهب سدى ؟
الثابت بحسب الدستور الأمريكي أن مهمة مجلس النواب اقرب ما تكون إلى عمل جهة الادعاء في المحاكم الجنائية حول العالم ، ذلك أن أعضاء النواب يقدمون مقترح قانون من اجل البدء في محاكمة الرئيس أو البدء في فتح تحقيق، ويمرر مثله مثل أي قانون للجهة التشريعية العليا أي مجلس الشيوخ.
والمعروف انه لكي يتم عزل الرئيس الأمريكي لابد من أن يصوت ثلثا أعضاء مجلس الشيوخ على قرار العزل ، ويبقى هنا السؤال الجوهري ما هي الأسباب التي تستدعي عزل الرئيس ؟
بمقتضى الدستور الأمريكي يمكن عزل الرئيس إما « للخيانة أو تقاضي الرشوة أو لارتكاب جريمة كبرى أخرى أو جنحة»…
هنا تبقى فحوى العبارة الأخيرة غير واضحة، فمن الناحية التاريخية يمكن أن يشمل ذلك الفساد أو أشكالا أخرى من إساءة استغلال ثقة الشعب، ولا تستلزم مساءلة الرئيس أن يخالف قانونا جنائيا بعينه.
وعلى مدار تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية كانت لجنة الشؤون القضائية بمجلس النواب هي التي تقود تحقيقات المساءلة، غير أن قيادات الحزب الديمقراطي يمكنها أيضا اختيار لجنة خاصة .
وإذا وافقت أغلبية بسيطة من أعضاء المجلس البالغ عددهم 435 عضوا على توجيه اتهامات للرئيس، فيما يطلق عليه «بنود المساءلة»، تنتقل العملية إلى مجلس الشيوخ ، الذي يجري محاكمة لتحديد ما إذا كان الرئيس مذنب .
طوال التاريخ الرئاسي الأمريكي جرت محاولات عزل، ففي عام 1868 تمت مناقشة مسالة عزل الرئيس اندرو جونسون، وفي عام 1998 جرى الأمر نفسه مع الرئيس بيل كلينتون، ولم يتم عزل أي منهما إذ رأى الأمريكيون أن الأمر يمكنه أن يهز صورة الرئاسة في عيون الأمريكيين والعالم ، ولهذا يعد الرئيس الوحيد الذي استقال من منصبة لتجنب إجراءات العزل والمحاكمة هو الرئيس الجمهوري ريتشارد نيكسون الذي ذهب من وراء فضيحة «ووتر-غيت»، حيث تنصّتَ بعض أعضاء وناشطي الحزب الجمهوري على هواتف الحزب الديمقراطي في وقت الانتخابات الرئاسية .
ما هو الاتهام الموجه إلى الرئيس ترامب هذه المرة ، وهل يمكن أن يقوده بالفعل إلى العزل ؟
تدور القصة في إطار اتهام الرئيس ترامب باستغلال وضعه الرئاسي عند رئيس أوكرانيا لإعادة التحقيق في اتهامات كانت موجهة الى ابن نائب الرئيس الأمريكي السابق «جو بايدن»، والمرشح لمنافسة ترامب في انتخابات الرئاسة 2020 ، ما يعني ان الرئيس يستغل سلطاته الرسمية في عمل غير محايد، يضر بمنافسه أي انه قام باستغلال وظيفته في مشهد خطير للغاية وهو السماح لدول أجنبية بالتدخل في العملية الانتخابية الأمريكية الداخلية.
هنا فقد طالب جو بايدن بالتحقيق رسميا قائلا :«ترامب يقوم بذلك لأنه يعلم أنني سأهزمه ببساطة ويلجأ لاستغلال سلطته مستخدما كل أجهزة الرئاسة محاولا فعل أي شيئ يشوه سمعتي».
لم يكن الإعلام الأمريكي بدوره بعيدا عن الأزمة فقد ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» وغيرها من وسائل الإعلام الأمريكية ان ترامب ضغط على «زيلينسكي» الرئيس الأوكراني للتحقيق في اتهامات لا أساس لها بابن بايدن، حين كان نائبا للرئيس، هدد بوقف المساعدات الأمريكية لأوكرانيا إذا لم يتم صرف احد مسؤولي الادعاء من الخدمة، وكان المدعي يحقق آنذاك في قضية تخص شركة غاز على صلة بان بايدن.
وقد أضافت الصحيفة أن ترامب حث «زيلينسكي» خلال المحادثة الهاتفية على العمل مع رودي جولياني ، محامي ترامب الشخصي، لفتح تحقيق في القضية.
هل بايدن مخطئ أم مصيب في اتهاماته ؟
الحقيقة إن المسألة تحتاج إلى كثير من التحقيقات القانونية الأمريكية الداخلية، فالمعروف أن بايدن اعترف بانه هدد بوقف المساعدات إذا لم يتم فصل مسؤول الادعاء، لكن هذا المطلب كان مشتركا بين الحكومة الأمريكية والاتحاد الأوربي ، وعدد من المؤسسات الدولية الأخرى لمزاعم بانه لم ينجح في تعقب وقائع وقائع فساد كبرى .
انفجرت الأزمة في توقيت مواكب لانعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة ،وهناك تحدث وزير خارجية أوكرانيا « فاديم بريستيكو »، حيث نفى قيام الرئيس ترامب بممارسة أي ضغوط على الرئيس الأوكراني «زيلينسكي» خلال اتصال هاتفي جرى في يوليو الماضي ومؤكدا أن أوكرانيا دولة مستقلة ولن تنحاز إلى طرف من الأطراف على الساحة السياسية الأمريكية حتى وان كانت نظريا في وضع يسمح لها بذلك .
وجد الرئيس الأمريكي ترامب نفسه في وسط أزمة طاحنة ولهذا كان الحل الوحيد أمامه هو أن يعمد إلى الإفراج عن نص المكالمة التي جرت بينه وبين الرئيس الأوكراني ، وهو ما قد أوفى به بالفعل ، فهل جاء الإفراج عن النص ليدين الرئيس الأمريكي ؟
بحسب النص قال ترامب لنظيره الأوكراني :«أود منك أن تسدي لنا معروفا، على الرغم من أن بلدنا مر بالكثير وأوكرانيا تعرف الكثير عنه. أود منك أن تعرف ما حدث في هذا الصدد برمته مع أوكرانيا، فهم يتحدثون عن شركة «كراود سترايك»… هناك الكثير من الأشياء التي حدثت ، الموقف برمته .. اعتقد انك تحيط نفسك ببعض هؤلاء الأشخاص أنفسهم . أود ان اطلب من المدعي العام الاتصال بك أو التواصل مع قومك (ادارتك)، وأود منك أن تسبر غور هذه المسألة. وكما شاهدت بالأمس، انتهى الأمر برمته على نحو سيئ للغاية من قبل رجل يدعى روبرت مولر، وهو أداء غير كفء ، لكنهم يقولون إن الكثير من ذلك بدا مع أوكرانيا. كل ما يمكنك القيام به،من المهم جدا أن تفعله، قم بذلك إذا كان ممكنا».
ترى ماذا كان جواب الرئيس الأوكراني ؟
بحسب النص المنشور أجاب بالقول :«نعم انه مهم جدا بالنسبة لي، وكل ما ذكرته لي للتو، بالنسبة لي كرئيس انه أمر مهم للغاية، ونحن منفتحون على أي تعاون في المستقبل . نحن على استعداد لفتح صفحة جديدة من التعاون في العلاقات بين الولايات المتحدة وأوكرانيا .
التساؤل هنا هل ما جرى من قبل الرئيس الأمريكي يرقى إلى مستوى الخيانة العظمى أو سوء استغلال منصبه الرئاسي في التأثير على مقدرات وحظوظ فوز جو بايدن في الانتخابات الرئاسية القادمة ؟
الجواب ليس باليسير في هذا التوقيت، ويحتاج ولا شك إلى تحقيقات مطولة، والى تعريفات وتوضيحات بل توصيفات قانونية شاقة، وهو أمر ربما يستغرق عدة أشهر .
السؤال المهم هل الشارع الأمريكي يميل إلى فكرة عزل ترامب أم أن لديه بصورة أو بأخرى شكوكا في نوايا الديمقراطيين تجعله يرفض فكرة عزل ترامب ؟
قبل أيام أشارت صحيفة «ذا هيل» الأمريكية إلى أن غالبية الأمريكيين ضد إجراء عزل الرئيس الأمريكي ، وقد استندت في ذلك إلى استطلاع جديد للرأي أجرته جامعة كوينيباك نهار الأربعاء 25 سبتمبر لجاري قال فيه 37% فقط من الناخبين المسجلين انه يجب عزل ترامب وأزاحته من منصبه ، في حين قال 57 % ممن شملهم الاستطلاع انه لا ينبغي عزله.
وفي كل الأحوال قد يكون من المبكر حسم المشهد ، لكن الحقيقة المؤكدة أن روح أمريكا منقسمة في داخلها بشكل غير مسبوق …. والقضية ممتدة والنقاش يطول .