الأيام :الاحتلال يضم الضفة ضماً واقعياً

في زاوية آراء كتب عبد الله أبو عيد مقالاً بعنوان: (الاحتلال يضم الضفة ضماً واقعياً) جاء فيه:
نشرت الصحف يوم الاثنين 16/‏‏9/‏‏2019، نقلاً عن هآرتس خبراً حول محاولات بعض المسؤولين الإسرائيليين إصدار تعليمات وتشريعات تسمح للمواطنين الإسرائيليين شراء أراضٍ خاصة في الضفة الغربية.
إن مثل هذا الإجراء يعتبر ضماً واقعياً للضفة بكاملها تمهيداً لضمها ضماً قانونياً، كما حدث في يونيو 1967 بعد ثلاثة أسابيع من العدوان الإسرائيلي وما تلاه من إخضاع القدس العربية للقانون الإداري الإسرائيلي حيث اعتبر ذلك ضماً واقعياً (أو فعلياً) للقدس، ثم ألحق في العام 1981 بضمها ضماً قانونياً. إن شراء الأراضي، وبخاصة الأراضي المملوكة ملكية خاصة من قبل المواطنين الإسرائيليين والمؤسسات الإسرائيلية يعتبر عدواناً جديداً على دولة فلسطين لكونه خرقاً خطيراً لعدد من أهم قواعد القانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني.
تجدر الإشارة هنا إلى أمرين لافتين للنظر: أولهما: توقيت هذه الإجراءات، وثانيهما: لماذا شراء الأراضي الخاصة في نفس الوقت الذي دأبت الحكومات الإسرائيلية، خاصة بعد العام 1977 واستلام الليكود للسلطة في إسرائيل، على السيطرة على الأراضي بالقوة، حيث إن بيجن كان قد صرح قائلاً: «وهل يشتري الإنسان أرضه؟»، إن هذا التصريح تبعه قيام ليئا البيك، المسؤولة عن أملاك الدولة بإصدار فتواها الشهيرة القائلة إنه «يحق للسلطات الإسرائيلية الاستيلاء على كافة الأراضي الواقعة خارج نطاق المدن إذ اعتبرتها جميعها أراضي دولة» مستغلة في هذا الصدد بعض الثغرات في قوانين الأراضي العثمانية الصادرة العام 1868 وقد دأبت بعدها السلطات الإسرائيلية على وضع اليد على آلاف الدونمات من الأراضي خارج المدن، وخاصة في المنطقة المصنفة (ج)، تحت عدة ذرائع قانونية وحجج واهية. هذا بالإضافة إلى العدد الكبير من عمليات تزوير الوثائق والصكوك المتعلقة بالأراضي الفلسطينية في مختلف المناطق، وكذلك عمليات شراء أراضٍ مملوكة للفلسطينيين أو لمؤسسات تتعامل مع السلطة الإسرائيلية بوسائل عديدة على رأسها تخويف المواطنين الفلسطينيين من قبل السماسرة وعملاء بأن أرضهم سوف تصادر بطريقة أو بأخرى لذلك من الأفضل لهم بيعها.
تجدر الإشارة إلى أن السلطات الإسرائيلية دأبت في حالات محددة على شراء بعض الأراضي المملوكة ملكية خاصة لعدة أسباب على رأسها الإعلان للرأي العام الدولي بأن تلك الأراضي باعها أصحابها بكامل حريتهم كما أن تلك السلطات قامت أيضاً بشراء أراضٍ مساحتها بضعة دونمات ثم قام المستوطنون بعدها بضم مساحات واسعة محيطة بتلك الأراضي.اللافت أيضاً للنظر توقيت اتخاذ هذه الإجراءات، ويبدو أن هدفها الرئيس هو تطمين القوى الغربية بأن السلطات الإسرائيلية تسمح بشراء الأراضي بأموال المشترين الإسرائيليين وأنها لا تصادر الأراضي المملوكة ملكية خاصة، بل تلك التي تعتبر أراضي دولة فقط.والمعروف أن المنظمات الدولية والمؤسسات القانونية تجمع على أن القانون الدولي بفرعيه العام والإنساني لا تجيز إطلاقاً لسلطة الاحتلال القيام بالعديد من الإجراءات وعلى رأسها:
أولاً: فرض السيادة على أي جزء من الأراضي المحتلة، إذ إن السيادة على تلك الأراضي تبقى للدولة التي احتل إقليمها، أو للمواطنين أصحاب تلك الأراضي وسكان الإقليم المحتل، كما أن الاعتداء على السيادة على تلك الأراضي المحتلة إنما هو اعتداء خطير على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره الذي أصبح مبدأ ثابتاً بموجب قواعد القانون الدولي العام وقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة المتكررة منذ العام 1969.
ثانياً: قواعد القانون الدولي الإنساني العرفية والاتفاقية تمنع بشدة إجراء أي تغيير جوهري على طبيعة الإقليم المحتل وعلى تركيبته الديمغرافية واستيلاء سلطات الاحتلال أو مواطنيها على مناطق واسعة من الإقليم المحتل واستيطانها يتناقض بشكل صارخ مع هذه القاعدة القانونية المعترف بها من كافة خبراء القانون الدولي ومن عدد كبير من المنظمات الدولية.ثالثاً: كما أن قواعد القانون الدولي تمنع منعاً باتاً قيام سلطة الاحتلال باستغلال أي ثروات طبيعية في الإقليم المحتل كالأرض والمياه والثروات في باطن الأرض.رابعاً: قواعد القانون الدولي الإنساني تمنع سلطة الاحتلال من نقل مواطنيها إلى الإقليم المحتل، وقد اعتبرت المادة (85) من البروتوكول الدولي الأول المضاف لمعاهدات جنيف الأربع لسنة 1949 ذلك الأمر بمثابة جريمة حرب، وهذا ما نصت عليه أيضاً المادة الثامنة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.إذن لماذا تحاول السلطات الإسرائيلية حالياً السماح للمواطنين الإسرائيليين بشراء الأراضي في الإقليم المحتل؟.
الجواب المعقول لذلك هو أن ذلك الإجراء الذي يعتدي بشكل صارخ على سيادة السلطة الفلسطينية وعلى قواعد القانون الدولي، إنما يعتبر ضماً فعلياً (أو واقعياً) تمهيداً لضم أجزاء واسعة من تلك الأراضي وقد تكون السلطات الإسرائيلية ترغب في إقناع الرأي العام الدولي في حالة الضم بأنها أراضٍ مملوكة لها أو لمواطنيها.كذلك من المحتمل أن تكون تلك الإجراءات جزءاً من عملية تنفيذ المبادئ الواردة في صفقة القرن. والسؤال هنا ما العمل؟.
أقترح على السلطة الفلسطينية إعلان رفض هذا الإجراء وتعليل هذا الرفض تعليلاً قانونياً، وكذلك عقد مؤتمر في الأراضي الفلسطينية أو من الأفضل أن يعقد هذا المؤتمر في مقر الأمم المتحدة في نيويورك أو جنيف للتنديد بهذه الإجراءات وبيان مخالفتها للقانون الدولي.وأخيراً، أود القول كما ذكرت سابقاً في أكثر من دراسة قانونية لي، إنه كان على المفاوض الفلسطيني إيراد نص في أي اتفاقية تعقد مع إسرائيل ينص على اللجوء إلى التحكيم الدولي في حالة أي خلاف بين الفلسطينيين والسلطات الإسرائيلية، ولو حدث ذلك لما وجدنا أنفسنا كالأيتام على مائدة اللئام!.