«مارسيل خليفة» يؤرجح جمهور الأوبرا بين الموسيقى والشعر وأغاني الحب والثورة

يومان من الإبداع في دار الفنون الموسيقية –
جلسة «قهوة وتمر» تكشف حكايا «خليفة» الماضية وفلسفة حياة مختلفة –

كتب – عامر بن عبدالله الأنصاري –

يجتمع شتات جمهور دار الأوبرا السلطانية، وعلى مدار يومي الخميس والجمعة ليملأ قاعة دار الفنون الموسيقية، قاصدين عازف العود المتألق مارسيل خليفة، يكتمل تشكل الجمهور، ليبدأ جمع شتات فرقة «خليفة» بالصعود واحدا واحدا على مسرح دار الفنون الموسيقية، وأنغام من هنا وهناك تصدح بشكل متدرج، كل يحمل آلة موسيقية مختلفة، حتى يكتمل ذلك الشتات وتصبح الفرقة مكتملة بصعود مارسيل خليفة، وحينها غطى تصفيق الجمهور الملتهب القاعة شغفا وحماسا.
ومباشرة بدأ العزف، وبدأت الانتشاءة الطربية في أقصاها منذ أول لحظة، إلى نهاية الحفل، تارة يأخذ جمهور الأوبرا إلى أغاني الحب والعاطفة الجامحة «بين ريتا وعيوني.. بندقية»، وتارة إلى أغنيات الثورة «منتصب القامة أمشي»، مرفوعا هامته يأخذ الجمهور إلى أنغام موسيقى خالصة، وتارة إلى إلقاء قصائد بصحبة البيانو، ساعات قضاها بين هذا الفن وذاك، في حفلة كما وصفها «لن ترضي جميع الأذواق»، ولم يقل ذلك إلا لتنوع الفنون المقدمة، وإيمانه وتصالحه مع اختلاف الأذواق.
قرابة 13 وصلة موسيقية وشعرية وغنائية، اصطحب مارسيل جمهوره، برفقة عازفين وصفهم بأن كل واحد منهم قامة رفيعة في فنه، البيانو اشتعلت وأشعلت الجمهور بأنامل العازف «رامي خليفة»، والكمان أبدع نحيبه العازف «أنطوان خليفة»، والتشيللو بأنامل «ساري خليفة»، وتراقصت أصابع «فراس شرستان» على آلة القانون، إلى جانب عدد من العازفين على آلات متنوعة.

تمر وقهوة

«مارسيل خليفة» الثائر بركانا من الداخل والهادئ جدا من الخارج، هو -كما قال عن نفسه- كالأرض التي تشتعل نارا في باطنها وعلى سطحها هدوء، ولولا هذه النار المشتعلة في داخليهما -الأرض ومارسيل- لما استمرت الحياة ولما استمر شغفه وحبه لفنه المتعدد، فهو عازف العود، والمطرب، والمفكر، والمؤلف، والإنسان الطفل الذي لا زال يلعب، فاللعب في وجهة نظره أساس الحياة.
وجهات نظر كثيرة، كشفها متعدد الفن، الكبير «مارسيل خليفة»، وحكايات متنوعة سردها لنا في «جلسة التمر والقهوة» التي نظمتها إدارة دار الأوبرا السلطانية يوم الثلاثاء الماضي، لإتاحة الفرصة للتعرف على «خليفة» الإنسان ومراحل حياته التي حولته منذ نعومة أضافره إلى فنان.
استرسل «مارسيل» في حكايات الطفولة، وصانعة فنه الأولى «والدته» تلك الأم البسيطة التي وجدت في يديه موهبة، بعدما كان يطرق قدور المطبخ والطاولات، بهدف إشباع مشاكساته الطفولية، وأذنه الموسيقية التي لم تُكتشف بعد، كانت والدته مفتاحا للباب الذي دخل من خلاله الفن، بأن أقنعت والده بأن يشتري لمارسيل آلة العود، وكانت حينها الآلة متوفرة بالسعر المعقول، وبعد ذلك طالبا في معهد الموسيقى، ومعلما فيه بعد مرور السنين، وبعد ذلك فنانا له صيته العالمي وليس العربي فحسب، فنانا لم يكن لوالدته فرصة لسماع شيء من مقطوعاته ولا من غنائه فكان الموت جدارا عازلا حجبها عن رؤية مشروعها الناجح بكل المقاييس وهي في السابع والثلاثين من عمرها.
ثائرٌ مارسيل، وقضية فلسطين قضيته، ومن حماسه الجامح، اضطرت عائلته لحبسه في البيت لمدة أربعة أشهر، تلك الأشهر من العزلة، تركت مارسيل مع العود، ودواوين محمود درويش، فتسللت لعبة جديدة ليملأ بها فراغه، تلحين لقصائد محمود، وغنائها مع أنغام العود، من تلك التجارب المسلية، شهد العالم اليوم «مارسيل خليفة» المطرب، يقول «الغناء كان صدفة، نتيجة لعب وعبث»، وحكايات محمود درويش لم تننهِ بهذه الكلمات، بل بدأت.
يجد «مارسيل خليفة» نفسه في كل فن أبدع فيه، للتعبير عما في داخله، بتأليف النوتات الموسيقية، وبكتابة الخواطر، والرقص، والمواقف الفكرية وغيرها، لأنه في كل مرة يشعر أنه يحتاج إلى شيء ما، وما تلك المجالات إلا تعبير عما يسكن فكره وجموح خياله، الحماس حليفه في كل حين، والحماس لا يخفت عنده كيوم بدأ.
«مارسيل خليفة» الأكاديمي، لا يغلق باب العبث واللعب واللهو، بل يرى أن ذلك الباب سبيل إلى الإبداع، يبدأ عابثا في تأليف مقطوعة ما، وينتهي دون أن يعرف كيف انتهى، وبعد ذلك يستعرض العمل النابع من العشوائية والأفكار الجنونية على خبرته الأكاديمية ليفصل تلك التجربة الوليدة فتخرج إلى الجمهور بشكلها النهائي. يقول: «عندما أكتب لا أفكر بالجمهور، الجمهور شيء مهم وقاعدة رئيسية لنجاح الفنان، لكني صدقا لا أفكر بالجمهور، في لحظة التأليف خيال يشتعل، وعبث مجنون، ولعب دون دراسة، هكذا يولد العمل وينتهي دون أن أعرف كيف انتهى».
لا يحب مارسيل البقاء في نفس الصورة، يتفاجأ جمهوره بأشكال جديدة من الفن، عُرِفَ مطربا في مسيرة طويلة، وذات حفلة فاجأ جمهوره بأن لا غناء، ولا كورال، إنما موسيقى فقط. هو متصالح مع ألوان الشعر، إذا ما أعجبته كلمات طوعها لتكون كلمات لأغنيته، ورغم ان كثيرا من أغانيه كلمات قصيدة موزونة، إلا أن ذلك لم يمنعه من تلحين القصيدة النثرية، واستعمالها في أعمال ذاع صيتها، ويرى أن الموسيقى إذا ما لمست القصائد أثرتها وأطلقتها للعنان.
لا يعترف «مارسيل» بأفضلية جيل على جيل، ولا يترحم على الماضي كثيرا، الماضي في عينيه به شيء جميل وآخر سيئ، والحاضر كذلك، والمبدعون في كل مكان، القرينة المعقودة في ذهن الكثيرين من أن «مارسيل» و«محمود درويش» ثنائي انتهى بوفاة الأخير، هي قرينة ينفيها، ويؤكد أن كثيرا من القصائد غناها وليست لمحمود درويش، ومن القصائد لشباب في عمر الزهور، يقول: «ما دامت الحياة موجودة لا أفضل أن يقال هناك جيل سابق وجيل لاحق، وهناك زمن جميل وآخر قبيح، ما دمت تعيش، فكل الأزمنة جميلة».

 

في سطور –

مارسيل خليفة، النجم الغني عن التعريف، فنان لبناني، انشقت في صدره الحياة عام 1950، وبعمر الواحد والعشرين تخرج من المعهد الوطني العالي للموسيقى في بيروت، مسيرة حياته حافلة بالموسيقى والشعر والغناء، ذاع صيته في الوطن العربي بطبيعة الحال، وفي أوروبا وأمريكا، فهو الفنان العربي العالمي الذي عرف بالثائر وتبني القضايا العربية وعلى رأسها قضية فلسطين.
في عام 1972 أسس مارسيل خليفة فرقة موسيقية، أو كما جاء في كتيب دار الأوبرا، أسس مجموعة موسيقية، وانطلاقا من غيرته العربية كان الهدف من تأسيس هذه المجموعة او الفرقة، إحياء الموسيقى العربية وخاصة تراث قريته الأم «قرية عمشيت» اللبنانية، وتأسيس كورال عربي للمشاركة في الحفلات والفعاليات والأمسيات الموسيقية، وأقيم لهذه المجموعة الوليدة أول حفل في العاصمة اللبنانية بيروت.
بصمات فنية كثيرة تركها الفنان مارسيل خليفة، فإضافة إلى المهرجانات العربية التي شارك فيها، فقد شارك في عدد من المهرجانات العالمية مثل مهرجاني «كريمز» و«لينز» في النمسا، ومهرجان «بريمين» في ألمانيا، ومهرجان «بافيا» في إيطاليا، ومهرجان «موسيقى العالم» في كل من سان فرانسيسكو، ونيويورك، وكليفلاند بالولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى مهرجانات دولية كثيرة.
«مارسيل خليفة» انطلق منذ بدايته الفنية بحماس جامح وأبداع مختلف وحب للحياة أملا يغطي كل المشكلات، ويواصل مسيرته اليوم بذات الحب والشغف والحماس، مارسيل شُعلة لا تخفت، والقادم من أعماله يخبئ لجمهوره المفاجآت.