شيراك والشرق الأوسط : صداقات راسخة و«كلا» مدوّية رفضاً لغزو العراق

باريس – (أ ف ب): يظلّ الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك الذي رحل أمس عن 86 عاماً، الزعيم الغربي الذي ربطته على مدى عقود صداقات راسخة بعدد من زعماء العالم العربي، الذين رحل معظمهم اليوم، والرئيس الذي رفض المشاركة في غزو العراق في 2003.
والرئيس السابق لبلدية باريس كان مقرّباً بشكل خاص، منذ بداية الثمانينات، من رئيس الوزراء اللبناني السابق ورجل الأعمال الثري رفيق الحريري، الذي اغتيل في بيروت في 14 فبراير 2005. وكان شيراك أول رئيس غربي يقوم بزيارة رسمية إلى لبنان في 1996 منذ انتهت الحرب الأهلية في بلد الأرز في 1990، وهو أيضاً الرئيس الغربي الوحيد الذي حضر جنازة صديقه رفيق الحريري، قبل أن يجمّد العلاقات الدبلوماسية الرفيعة المستوى مع سوريا التي اتّهمت باغتيال الزعيم اللبناني، وهو ما نفته دمشق على الدوام. وعندما غادر قصر الإليزيه في 2007 أقام الرئيس السابق في شقة دوبلكس بباريس، على ضفاف نهر السين، وضعتها تحت تصرّفه عائلة الحريري لأكثر من 8 سنوات.
ونعى نجل رفيق الحريري، رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري أمس، الرئيس الراحل بالقول «غاب عن العالم اليوم رجل من أعظم الرجال الذين أنجبتهم فرنسا».
وأضاف أنّ شيراك «يرحل بعدما كتب تاريخاً حافلاً بالإنجازات تشهد عليها قضايانا العربية واللبنانية… وأمسك بيد لبنان في أصعب الظروف».
وتميّز ارتباط جاك شيراك بمنطقة الشرق الأوسط بعلاقات شخصية وطيدة جمعته بقادة العديد من الدول العربية في ذلك الوقت. وكان الراحل قريباً من نظيره المصري حسني مبارك، كما جمعته على مدار 25 عاماً علاقة صداقة قوية مع الحسن الثاني، ملك المملكة المغربية التي قضى فيها شيراك إجازات عدة، وكذلك أيضاً مع مؤسّس دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ زايد، الذي توفي في 2004. ناهيك عن شبكة قوية من العلاقات مع قادة المملكة العربية السعودية.
«هل تريدني أن أعود إلى طائرتي؟»
والرئيس الراحل الذي كان ياسر عرفات يلقّبه بـ«الدكتور شيراك» اعترافاً منه بالدعم الذي كان يلقاه منه في الأوقات العصيبة، أحيا «السياسة العربية والمتوسطية» لفرنسا في خطاب شهير ألقاه في القاهرة في أبريل 1996.
غير أنّ الصحفيَّين إريك أيشيمان وكريستوف بولتانسكي، مؤلّفي كتاب «شيراك العرب» انتقدا بشدّة «التغييرات المتواصلة في مواقفه»، معتبرين أنّ «السياسة العربية لفرنسا والتي حاول جاك شيراك تطبيقها تبقى مشوبة بشكّ – مبرّر – بأنّها ليست سوى محاولة لإحياء عظمة مفقودة».
ومن بين المشاهد الخالدة في الذاكرة العربية المواجهة التي دارت في القدس الشرقية المحتلة في 22 أكتوبر 1996 بين شيراك والشرطة الإسرائيلية حين انفجر الرئيس الفرنسي غاضباً بوجه قائد الشرطة الإسرائيلية الذي حاول التضييق عليه خلال زيارته البلدة القديمة. وقال يومها الرئيس الفرنسي لقائد الشرطة بنبرة ساخطة «بنيّ، هل تريدني أن أعود إلى طائرتي؟»، في مشهد تناقلته شاشات التلفزة في جميع أنحاء العالم. وبحسب الصحفيين إريك أيشيمان وكريستوف بولتانسكي فإنّ «صيحة الغضب هذه ستكون بمثابة نقطة تحوّل، وستجعل منه أسطورة، وستطبع سنوات عهده السبع وستحدّد على الدوام صورة الرئيس في المنطقة». وسيحفظ التاريخ لجاك شيراك خصوصاً أنّه الرئيس الفرنسي الذي رفض اللحاق بركب الأمريكيين في غزو العراق في 2003، على عكس سلفه فرانسوا ميتران الذي أرسل فرقة عسكرية صغيرة للمشاركة في حرب الخليج الأولى في 1991. ففي فبراير 2003، قدّم هانس بليكس المسؤول عن مفتشي الأمم المتحدة تقريره الجديد حول أسلحة الدمار الشامل في العراق، ودعا فيه إلى القيام بعمليات تفتيش جديدة. في مجلس الأمن الدولي، أكد وزير الخارجية الأمريكي آنذاك كولن باول أن صدام حسين لا يلتزم بعمليات التفتيش. مقتنعاً بأن الخوض في حرب سيزعزع استقرار المنطقة، وآملاً في مواصلة عمليات التفتيش، عهد شيراك لوزير الخارجية في حكومة جان بيار رافاران، دومينيك دو فيلبان، مهمة قيادة المعركة الدبلوماسية في الأمم المتحدة.
وأعلنت فرنسا في 14 فبراير عام 2003 معارضتها للحرب على العراق عبر كلمة مدوية لوزير الخارجية الفرنسي. حظي موقفه من الحرب بالتصفيق في مجلس الأمن وهي ممارسة نادرة في هذه المؤسسة. وقال دو فيلبان حينها «في صرح الأمم المتحدة هذا، نحن حراس المثالية، وحراس الضمير. المسؤولية الثقيلة والشرف الكبير الذي نملكه يجب أن يقودانا إلى إعطاء الأولوية لنزع السلاح في سبيل السلام. فرنسا بلد عجوز، وأوروبا التي أنا منها قارة عجوز، تقول لكم هذا اليوم، أوروبا التي عرفت الحروب والاحتلال والهمجية».
وفي 18 مارس 2003، أعلن الرئيس شيراك أن «العراق لا يمثل اليوم تهديداً وشيكا يبرر اللجوء إلى حرب فورية. فرنسا تدعو الجميع لتحمل المسؤولية في احترام الشرعية الدولية… إن الخروج عن شرعية الأمم المتحدة، وإعطاء الأولوية للقوة على القانون، يعني تحمل مسؤولية كبيرة».
وبعد هذا الإعلان، ارتفعت شعبية شيراك إلى مستويات قياسية، حيث قال ثلاثة أرباع الفرنسيين إنهم راضون عن خطوته. بدأت الحرب الثانية على العراق في اليوم التالي بمبادرة من الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا. وتأثرت العلاقات بين فرنسا والولايات المتحدة بقرار شيراك لعدة سنوات، لكن الرئيس الفرنسي حظي برفضه للحرب، بشعبية واسعة في العديد من دول العالم.