فتاوى لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة

فرار العبد عن القدر لا يدفعه، فلا بد من وقوعه في ميقاته المحدد في علم الله –

ما الفرق بين القضاء والقدر؟ وما معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم عندما مر تحت جدار مائل فقال: «أفر من قضاء االله إلى قدره»؟

اختلف العلماء في تعريف القضاء والقدر، اختلافا كثيرا، منهم من قال: القضاء هو اجتماع الحقائق الكونية في العقل الأول ـ حسب تعبير الفلاسفة ـ اجتماعا إجماليا والقدر هو اجتماع هذه الأشــياء في اللوح المحفوظ ويعبر عنه عند الفلاسفة: بالنفس الكلية تفصيلا. ومنهم من قال: القضاء هو إثبات االله تبارك وتعالى الأشياء إجمالا كإثباته عز وجل أن كل نفس ذائقة الموت، وأما القدر فإثبات ذلك تفصيلاً مع الأسباب والأزمنة والأمكنة، كأن يثبت االله سبحانه وتعالى بأن فلانا سيموت في موضع كذا لســبب كذا في زمن كذا فذلك هو القدر.
ومنهم من قال: بأن القضاء هو إثبات الأشــياء في اللوح المحفوظ إجمالا، والقدر هو إثباتها في المواد تفصيلا ـ أي إنشاؤها في المواد تفصيلا ـ وهذا معنى قول القطب رحمه الله في الذهب الخالص حيث قال: القدر خلق الأعراض والأجســام، والقضاء إثبات ذلك في اللوح، فخلق أجسامنا والأعراض التي تحدث فينا هو القدر وإثبــات ذلك في اللوح المحفوظ هــو القضاء وهذا التفسير هو الذي يتفق مع ما ذكروه من قول: «أفر من قضاء االله إلى قدره»، أي أقر من الأمر المقضي في اللوح المحفوظ إلى القدر أي إلى الأمر الذي لابد أن يحصل لي أو عليّ كما هو مقضي عند االله في اللوح، ولكن هذا لم يثبت حديثا عن رســول االله صلى الله عليه وسلم ولا موقوفا على أحد من صحابته، وإنما المروي من قول عمر لأبي عبيدة رضي الله تعالى عنه: «نفر من قدر االله إلى قدر االله» ومعنى ذلك أن فرار العبــد عن القدر لا يدفع القدر، فلا بد مــن وقوعه في ميقاته المحدد في علم االله، واالله أعلم.

قوله تعالــى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).. وقوله صلى الله عليه وسلم: «أفر من قضاء االله إلى قدره» يوحيان بأن الإنســان له يد في صنع قدره أو تأخيره على الأقل فإذا كان هذا صحيحا فكيف يمكننا التوفيق بينه وبين حقيقة أن القدر ما هو إلا القضاء مفصلا مكانا وزمانا والقضاء محقق وقوعه؟

ســبق التفريق بين القضاء والقدر ومن ضمن ما قلناه فــي التفريق بين القضاء والقدر أن القضاء هو إثبات الأشــياء في اللــوح إجمالا، والقدر هو إيجادها في المواد تفصيلاً بحســب مــا قضيت. فالقدر هــو فعل االله تعالى وليس للعبد كسب في قدر االله، وإنما له كســب في المقدور، والمقدور هو فعل العبد وهو الذي يتعلق به الثواب والعقاب، أما القدر فلا يتعلق به ثواب ولا عقاب، لأنه فعل االله، والأثر المروي إنما هو بلفظ : «نفر من قدر االله إلى قدره»، وهو يعني: أنني أفر إلى الشــيء الذي قدر لي أو عليّ أي أفر إلى ما قدّره االله تعالى لي من نجاة أو عدمها، فإنه لا مخلص لي مما قدره االله تبارك وتعالى فإن كان قدر لي عدم النجاة فلا مخلــص لي من ذلك، وإن كان قد قدر لي النجاة فإن تلك النجاة ستتاح لي ولا يحول بيني وبينها حائل، وإنما عليّ أن أعمل وليس لي أن أختبر ربي فإن الله أن يختبر عبده وليس للعبد أن يختبر ربه، بل عليه أن يستســلم لأمره ويذعن لطاعته، فــإذا كان الأمر هكذا فليس للإنسان أن يدع الأمور تجري بنفسها من غير أن يأخذ بالحيطة والحذر ويقول: أنا أفعل ما بدا لي وأن هذا بقضاء وقدر، فليس للإنسان أن يرمي نفســه في بئر ويقول: هذا بقضاء وقدر!! فقد هدى تعالى الإنســان النجدين وبصره بما يأتي ومــا يذر، فليس له أن يأتي الشــيء مما حرم االله، ويقول بأن هذا بقضاء االله وقدره.