د. كهلان: «الفاتحة» خير ما يلخص المقاصد القرآنية التي تاهت فيها البشرية جمعاء

كتب : سالم الحسيني –

سميت سورة الفاتحة بأمّ الكتاب لأنها تفتح معاني القرآن الكريم وتزيل ما استغلق فهمه وتهيئ لما يطلبه الإنسان من أمر الهداية ومعرفة أحكام الدين ولاشتمالها على مقاصد القرآن الكريم وهي السورة الوحيدة التي وجهة الخطاب فيها من لسان البشرية الدنيا نحو الربوبية العليا، كما أنها سؤال، وباقي القرآن جواب.. وهي استهداء وباقي القرآن هدى.. ذلك ما أكده فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة في محاضرته بجامع السلطان تيمور بن فيصل بالمعبيلة الجنوبية الاثنين الماضي والتي نظمها مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم التابع لديوان البلاط السلطاني.. مؤكدا أن سورة الفاتحة هي خير ما يلخص المقاصد القرآنية التي تاهت فيها البشرية وحارت فيها والمتمثلة في معرفة الحق، والتمسك به، والالتزام بالخير والالتزام به.. مبينا: أن هناك ثلاثة أصناف من البشر يعرضها لنا القرآن الكريم: الذين استقاموا والذين ضلوا عن علم واستكبار وعتو، والذين ضلوا عن جهل وطيش، فعلينا أن نتعامل مع كتاب الله عز وجل وأن نعطي أنفسنا ما تحتاجه من هذا الجمال وهذه الروعة وهذا البيان الذي أودعه ربنا تبارك وتعالى في كتابه العزيز.. وهنا نص المحاضرة التي جاءت تحت عنوان: «أنوار قرآنية»:

وقد استهل فضيلته هذه المحاضرة بقوله: إن الحديث عن القرآن دائما ما يكون حديثا ماتعا شائقا جاذبا، وقد اخترت لكم في هذه المحاضرة سورة هي أكثر سور القرآن الكريم قراءة وترتيلا في أقطار الأرض منذ أن انزلها الله عزل وجل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وبلغها إلى يومنا هذا وإلى أن تقوم الساعة، إنها سورة الفاتحة.. واستهل فضيلته هذه المحاضرة بمقدمة وجّه من خلالها بعض الأسئلة إلى الحاضرين لأجل لفت الأنظار وشد الانتباه: هل سألتم أنفسكم لماذا سورة الفاتحة هي التي امرنا الله تبارك وتعالى أن نتلوها في كل ركعة من صلواتنا فرضا كانت هذه الصلوات أو نفلا؟ ولماذا سميت بأم الكتاب؟ ولماذا سميت السبع المثاني؟ ولماذا تبوأت هذه السورة بآياتها السبع أن لا تُقبل صلاة بدونها؟ فكل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج..
وأضاف: لا شك عندي أن مثل هذه الأسئلة دارت في أذهانكم، ولعل الكثير من الأجوبة أيضا.. ولكني أريد أن ألفت الأنظار إلى ما ظهر لي أن فيه مقنعا وانه يبعث في النفس الطمأنينة، ومقصودي أن نتلذذ بأحسن الحديث.. فهل تجدون في أنفسكم حينما تقرأون كتاب الله عز وجل معنى قوله سبحانه: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ)؟ وهل تتذوقون فعلا انه أحسن الحديث؟ وهل تجدون أنكم داخلون في وصف الله تبارك وتعالى للمؤمنين حينما قال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا)؟ تعالوا بنا نقلب بعض صفحات لفائف مكنونات لآلئ سورة الفاتحة، ولا نقف عند السطوح منها، بل نغوص في الأعماق قدر ما يسمح به الوقت بإذن الله تعالى، أن علماءنا ومشايخنا دائما ما يلفتون أنظارنا في مواعظهم إلى فوائد مهمة وهي: أن تجعل نفسك عندما تتلو القرآن الكريم في موضع الخطاب.. ومعنى ذلك أن تتمثل أن الله عز وجل يكلمك.. فتخيلوا هيبة هذا الموقف.. رب العز والجلال يخاطب عبده، ولذلك فان هذا المعنى ملحوظ في القرآن كله، فإذن القرآن الكريم هو ما يخاطبنا به ربنا تبارك وتعالى وأننا حتى نتحصل على منافعه وحكمه ومواعظه وأحكامه وهداياته فلابد أن نجعل أنفسنا في مقام المخاطبين، مبينا: أن سورة الفاتحة وجهة الخطاب فيها مختلف، فهي السورة التي لم تأت على لسان الربوبية العليا وإنما انطلقت من لسان البشرية الدنيا نحو الربوبية العليا، فهو ربنا جلّ وعلا علمنا كيف نخاطبه، فهذه السورة هي التي نخاطب بها ربنا تبارك وتعالى، ولذلك كانت السورة الوحيدة في القرآن الكريم التي تصلح لكي تكون من خطاب البشرية المؤمنة إلى مقام الربوبية العليا، وهذا تتفرع عليه جملة من الحكم التي ينبغي لنا أن ندركها أيضا، وهذا يعني أن القرآن طرفان، والفتحة أحد طرفيه، وباقي القرآن الطرف الثاني وإن قلتم إني مبالغ فسأعيد صياغة هذه الفائدة بقوله: إن الفاتحة سؤال، وباقي القرآن جواب.. والفاتحة استهداء وباقي القرآن هو الهدى المطلوب، مبينا: أن هذا يتعلق بوجهة الخطاب فسورة الفاتحة لا ريب أنها تبدأ بتحميد وثناء ثم بتوحيد لله تبارك وتعالى، ثم باعتراف وإخلاص، ثم بطلب الهداية، ولذلك قلنا إنها سؤال، وباقي القرآن هو الجواب. وقلنا بأنها استهداء والهدى المطلوب هو باقي القرآن الكريم، ولذلك لاحظوا أن ثاني سورة في القرآن الكريم هي سورة البقرة والتي تبتدئ بقوله تعالى: (الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) وهنا يتجلى المعنى أن سورة الفاتحة استهداء وباقي القرآن هداية.
وأوضح قائلا: أيضا فيما يتصل بوجهة الخطاب عندما قلنا بأنها السورة الوحيدة على لسان البشرية المؤمنة في خطابها للربوبية العليا يتصل بهذا أنها طلب، فأنت في كل مرة تقرأ فيها هذه السورة تطلب وتؤكد على ربك جلّ وعلا انك بحاجة إلى الهداية، أي انك بحاجة إلى باقي القرآن، فتصوروا -جلّ الله سبحانه وتعالى عن المثل وعظم كتابه عن النظير- أن لو عرضت عليك سلعة لم تطلبها أما كنت ستزهد فيها؟ أما كنت ستبخسها حقها؟ّ! أما إذا كنت طالبا لها وكنت تؤكد طلبك لها في كل ركعة من مفروضات صلواتك ونوافلها فهذا يعني أن نفسك متشوقة متطلعة إلى هذه السلعة الثمينة إن جاز التعبير.. مبينا: فضيلته أن هذا كله يتعلق بالفائدة الأولى وهي وجهة الخطاب فهي مختلفة عن باقي سور القرآن الكريم، موضحا القول: إنه قد يأتي في بالكم سورة الإخلاص على سبيل المثال والتي فيها ثناء وتمجيد وصمدانية لله تبارك وتعالى ونفي للشبيه والنظير والمثيل إلا أنها تبدأ بتكليف: (قل)، أما سورة الفاتحة فهي خطاب علمنا إياه ربنا تبارك وتعالى لنرفعه إليه جل وعلا.
وأشار الخروصي إلى أن كثيرا من المفسرين قالوا إنها سميت بأمّ الكتاب وما سميت بذلك إلا لاشتمالها على مقاصد القرآن الكريم من حيث الإجمال فهي تشتمل على خمسة مقاصد: ثناء وتمجيد لله تبارك وتعالى، وتوحيد له سبحانه، كما تشتمل على أحكام من الأمر والنهي، وأيضا تشتمل على وعد ووعيد، وعلى قصص وسياق، فهناك ثناء وتمجيد: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، وهناك توحيد: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)، عبادة وطاعة والتزام وانقياد منا، و(وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) هناك استعانة وإخلاص له سبحانه وتعالى، وهناك أمر ونهي: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، وهناك وعد ووعيد: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) مع اشتمال هذا الوعد والوعيد على قصص الأولين وسيرهم، مبينا: أن هذا هو الحد الأدنى الذي تحتاجون إليه حينما تقرأون سورة الفاتحة في صلواتكم وفي تلواتكم وفي اذكاركم.
وأكد فضيلته على أن مقاصد القرآن الكريم بل مقاصد الدين تنحصر في مقصدين نظريين، ومقصدين عمليين، فالمقصد النظري الأول: معرفة الحق، والمقصد النظري الثاني: معرفة الخير، والمقصدان العمليان هما: التمسك بالحق، والالتزام بالخير، فالمقصدان النظريان يثمران تمسكا بالحق والتزاما بالخير، موضحا: أن هناك جانبين: جانب الألوهية وجانب الإنسانية، فما يتصل بجانب الألوهية من المقاصد الأربعة: معرفة الحق والتمسك به، وما يتصل بالجانب الإنساني معرفة الخير والالتزام به.. مؤكدا: أن سورة الفاتحة هي خير ما يلخص هذه المقاصد القرآنية الدينية التي تاهت فيها البشرية وحارت فيها.

الأوصاف الإلهية

وأضاف فضيلته قائلا: إذا ما أخذنا الجانب الإلهي في سورة الفاتحة.. نلاحظ أن الأوصاف الواردة في السورة والتي وصف الله سبحانه وتعالى نفسه بها: (رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين).. فهو المبتدئ ومنه المبتدأ: (رب العالمين)، مشيرا إلى أن كلمة (رب) وهي اسم من أسماء الله تبارك وتعالى، ولا تقوم مقامها هنا في هذا السياق أي كلمة أخرى لأنها تعني: «الملك، السيد، المالك، المربي الذي يشمل برعايته غيره، الحكم» ولذلك جاءت مباشرة بعد اسم الجلالة: (الحمد لله)، و(الرحمن الرحيم): وصفان يتعلقان بصفة الرحمة، و(مالك يوم الدين) أي إليه المنتهى، فالمؤمن يؤمن يقينا بيوم الجزاء والفصل والثواب والحساب فحينما تصف ربك بهذا الوصف تعلم انه الملك العدل الذي لا يظلم أحدا، فتؤمن بالمنتهى الذي إليه تصير، مبينا: أن هذه الأوصاف التي تصف بها ربك جلّ وعلا تدخل فيها كل أسمائه الحسنى وصفاته العليا، ويدخل فيها طرفا الإيمان وهما: الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر، موضحا: أن صلة هذه الأوصاف بمبتدأ السورة: (الحمد لله) إنها البرهان المذكور على استحقاقه جلّ وعلا للحمد، فحينما تبدأ بالثناء لله تبارك وتعالى والشكر والمدح له سبحانه فإن ذلك إنما قام برهانه من نفس هذا النص القرآني لاستحقاقه جلّ وعلا لصفات الجلال والجمال ولأبلغ المحامد وأحسنها.
وأضاف: وإذا ما انتقلنا إلى الجانب الإنساني وهو معرفة الخير والالتزام به، فالخير يعبر عنه هنا بالصراط المستقيم (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) لأن الخير يشمل كل ما يخطر على بالكم من الاستقامة والصلاح والبر والإحسان والمعروف والخلق الفاضل والأدب الرفيع والسجايا الحميدة في خاصة نفس الإنسان وفي معاملته لغيره، وفي تعامله مع مفردات هذا الكون.
وقال: وأثبت لهذا الإنسان في هذه السورة أن معرفة الخير والالتزام به ليس أمرا مستحيلا متعذرا لا يستطيعه إلا النوادر من بني البشر، لكن أكد المبدأ أولا ثم بعد ذلك اتبع بضرب المثل بالرجال، مبينا: أن هناك ثلاثة أصناف من الرجال يعرضها لنا القرآن الكريم: الذين استقاموا والذين ضلوا عن علم واستكبار وعتو، والذين ضلوا عن جهل وطيش، أما النموذج الأول فهم من الذين أنعم الله عليهم، وتمكن من السير على الصراط المستقيم وجازوا طريق الاستقامة مخلصين مجتهدين لله تبارك وتعالى فصح أن يكونوا قدوة لغيرهم، ثم يحذرنا ربنا تبارك وتعالى ويضع لنا معيارين للانحراف والغواية والضلال أسوأهما ما كان ناشئا عن علم وتعمد واستكبار وعتو ولذلك قال: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) لأن هذا هو أسوأ أنواع الانحراف أن يكون ناشئا عن تعمد، وقصد واستكبار وعتو، لكن لا يعني ذلك أن الانحراف ينحصر فيه ولذلك قال: (وَلَا الضَّالِّينَ) لأنه حتى وان كان ناشئا عن جهل واستخفاف وتفريط فإن صاحبه غير معذور ولذلك قال: (وَلَا الضَّالِّينَ).

لطائف قرآنية

واختتم فضيلته المحاضرة ببعض اللطائف التي اشتملت عليها السورة المباركة حيث قال: إنه كثير ما ينسب الناس رجالا ليحتجوا بأفعالهم لكن هذه السورة الكريمة تقر أن المبدأ أولا ثم يوزن الناس بميزان هذا المبدأ ولذلك قال: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) ثم قال: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)، مبينا: أن هذه السورة تشتمل على ثنائيات متكاملة، ففيما يتعلق باستجابة الناس للصراط المستقيم هناك نوعان: هناك من استجاب وهناك من ضل، وفيما يتعلق بأهل الضلالة هناك نوعان: من ضل عن علم وتعمد وقسوة قلب وتكبر واستنكاف عن أوامر الله عز وجل، وهناك من ضل عن جهل وتفريط، وإذا اردنا أن نقول إن هذا الضلال الذي يحذرنا منه ربنا تبارك وتعالى ويعلمنا أن ندعوه في خطاب الاستهداء الذي نستمده منه هناك جانب الإفراط والتفريط، فهناك من افرط واعتمد بما أوتي فجعل نفسه في منزلة فوق منازل البشر، وأباح لنفسه الغلو والتطرف وهناك في المقابل من فرط وسفه الدين واتبع أحلاما باطلة فكان تفريطه سببا في ضلاله وانحرافه، فحينما نقرأ هذه الآيات الكريمة فإن ذلك يبعث في النفس الاقتداء بمن أنعم الله عز وجل عليهم وتجنب من اتصف بصفات الضلال المشار إليها إجمالا في هذه السورة، وأيضا حينما نقول: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) نجد أن هذه الآية الكريمة تنفي كل أنواع الشرك بسبب أسلوب الحصر فيها، فحينما نقول: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) أي لا نعبد إلا إياك، فتقديم ضمير الفصل هنا يدل على الحصر، فهذا ينفي كل الشركاء و(وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) أي لا نستعين بأحد إلا إياك، فاستعانة العبودية والإيجاد لا تكون إلا بالله تبارك وتعالى، وهذا ينفي كل الشركاء والشفعاء الذين توهمهم الإنسان في تاريخه، وذكر بعض المفسرين أن تسمية هذه السورة بالفاتحة لأنها مبتدأ الكتاب العزيز ويغفلون عن المعنى الحقيقي لكلمة (الفاتح) لأن الفاتحة بمعنى الفتح، فهذا الوصف بصيغة التأنيث يراد به معنى الفتح، وهو فتح ما كان مستحكما عليك فتحه أي تزيل ما استغلق عليك فهمه فهي تفتح معاني القرآن الكريم وتهيئك لما تطلبه من أمر الهداية ومن معرفة أحكام دينك ومما يحملك على الصراط المستقيم على الخير وعلى التمسك به، بعد أن عرفت الحق وحملت نفسك عليه منقادا خاضعا محبا راضيا متواضعا وهكذا نريد أن نتعامل مع كتاب الله عز وجل وأن نعطي انفسنا ما تحتاجه من هذا الجمال وهذه الروعة وهذا البيان الذي أودعه ربنا تبارك وتعالى في كتابه العزيز.