الإســـــلام يدعو إلى الارتقاء بالإنسان والتسامي به إلى الكمال البشري

المعاني الإنسانية –
حمود بن عامر الصوافي –

«لعل أخطر ما يواجه المجتمعات هو سيرها في عوالم (الموضة) والثقافة السائدة ولو كانت مناهضة للدين ولا يرضاها العرف ولا العادات فيجب علينا أن نتمسك بأهداب الفضيلة ونترك الرذيلة وكل ما يدعو إلى المعصية أو يخدش بالحياء».

دعا الإسلام منذ أول ميلاده إلى المُثُل العليا، والصفات السامقة والمعاني الإنسانية الكريمة ولم ينبذ النبي -صلى الله عليه وسلم- عادات الجاهلية كلها فلم يهجرها أو يبتعد عنها ويجعل بينه وبينها حاجزًا وسدًا منيعًا؛ وإنما أشاد ببعضها وهذّب بعضها ونهى عن بعضها. فكل ما يتفق مع الشريعة ومصلحة الإنسان أشاد به ودعا إليه ونصح به، وكل ما يؤدي إلى حسن الخلق وانتشار الود ومساعدة الآخر؛ كالكرم على سبيل المثال فلم يمنعه؛ وإنما نهى عن الإسراف والمفاخرة فيه.
وقد أشاد النبي -صلى الله عليه وسلم- بالكرماء وحفّزهم على بذل المال في سبيل الله تعالى وفي سبيل انتشال المظلومين من ظلمهم ومساعدة المحتاجين، قال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ). كما شذب الإسلام بعض العادات وهذبها فلم يجوّز للمنفق أن يبذل ماله حدا يضيّع حقوق أولاده أو حقوق نفسه وأرحامه فأمر بالتوسط ونهى عن الإسراف والتقتير قال تعالى: «وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا».
فكل ما يؤدي إلى ضياع الحقوق وفساد المجتمع وانتشار الرذيلة وإزهاق الأنفس دون حق؛ كوأد البنات مثلا نهى عنه وشدد فيه وحذر آية الحذر منه قال تعالى: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ، لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). فكل صفة حميدة دعا إليها، وأمرنا أن نستمسك بها وأن نحض عليها، لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» ولا ريب أن كل ما يخرق منظومة الخلق الإسلامية يعد شرخًا في قيم الإسلام النبيلة ومعانيه السامقة.
ولعل أخطر ما يواجه المجتمعات هو سيرها في عوالم (الموضة) والثقافة السائدة ولو كانت مناهضة للدين ولا يرضاها العرف ولا العادات فيجب علينا أن نتمسك بأهداب الفضيلة ونترك الرذيلة وكل ما يدعو إلى المعصية أو يخدش بالحياء ولا ريب أن اللباس المحتشم من الأمور التي دعا إليها ديننا الحنيف وشدد فيها قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) ونهى المرأة عن إبداء زينتها لغير محارمها وزوجها وشدد في لين كلامها وفي محاولتها اجتذاب الرجال بكعبها العالي ومشيتها المريبة قال تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
فالمرأة يجب أن تلتزم بحشمتها ووقارها وتبتعد عن كل ما يؤدي إلى ضياع دينها أو يؤثر على إسلامها وتقواها فهي امرأة مؤمنة يجب أن تتصف بصفات الإيمان التي دعا إليها الإسلام وامتثل بها المؤمنون قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا). فلا خيار آخر للمؤمن إلا الالتزام ولا خيار آخر للمرأة المؤمنة إلا الالتزام، أما اتباع كل ناعق والبحث عن آخر الثقافات السائدة ولو كانت مجانبة للدين فهذا عبث في التدين وبعد عن القيم والمبادئ التي حببنا إليها الإسلام وأمرنا باتباعها.
فعلى المرأة والرجل أيضا أن يحذرا من الانسياق وراء الموضات واتباع كل صيحة بدعوى أنهما سيضحك عليهما أو يقال لهما بأنهما يعيشان في العصور الوسطى أو أنهما لا يشبهان المتحضرين في شيء بل ليقل ما يقل فلنبق مؤمنين قويين في مبادئنا وديننا فلا نتبع الهوى ولا نتقلب يمنة ويسرة في ملاحقة سفاسف الأمور. فللأسف ما يحصل من بعض النساء أنهن يظهرن في بلدهن بمظهر المرأة العفيفة المحافظة، وفي الخارج تبدو بكامل أناقتها وحلتها وتظهر مفاتنها وزينتها وكأن الرجال عدموا في تلك البلدة أو أن الخُلق لا يكون إلا في الداخل فإذا خرجت من بلدها قالت للفضيلة ابقي مكانك ولا تبرحيه حتى أعود القهقرى!.
آه يا زمن متى كانت الفضيلة زمانًا ومكانًا معينًا ومتى كان التمسك به تذبذبًا؟ لقد عرفنا أن المبدأ لا يمكن أن ينقسم أو أن ينفك عن صاحبه مهما تقادمت السنون والأعمار ومهما بعدت الديار والسكنى فمتى كان الرجل والمرأة إمعة؟ في حياتهما بل يجب أن نجعل ديننا كل حياتنا قال تعال: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)، كما ينبغي لنا أن نحيي التناصح والتشاور في الأسرة فلا يستبد الرجل برأيه ولا تتعالى المرأة على زوجها وإنما نجعل الأسرة في ود ووئام قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ). كما ينبغي لنا أن نتشاور ونتقبل آراء بعضنا ونفهم وجهات نظر غيرنا؛ فالحياة ليست إلزاما وغصبا؛ وإنما هي أخذ وعطاء وكلام واستماع، فاسمع من غيرك وتكلم بحجتك لتستفد وتقتنع أو تعذر من تناقشه.
وعلينا أن نبقي على موروثنا وعاداتنا التي تتلاءم مع ديننا وقيمنا فلا يمكن أن نرمي بها خلف ظهورنا بحجة أنها غير واجبة شرعا فتوجد لدينا -مثلا- عادات في مجالسنا تعلي من شأن الكبير ووجوب توقيره وتحترم الصغير ووجوب رحمته وتغرس فيه مبادئ خدمة الآخرين والتعود على أدبهم فلا ينبغي أن نترك أولادنا هملا ونجنبهم مجالسنا ومجالس آبائنا بحجج واهية لا تستند إلى قول قوي ورأي معتبر بل ندرّبهم على أدب الكبار وطريقة الكلام معهم ونشرح لهم كيفية الاحترام والتوقير الخ… كما ينبغي لنا أن ننبذ كل خلق سيئ كقلة المبالاة في الأموال العامة أو التساهل في تنميتها أو عدم الاجتهاد في الوظيفة المنوطة بالشخص فهذا يضعف الدولة ويشل حركتها ويقلل من قيمتها، فكل فرد عليه أن يدرك أنه على ثغر من ثغور الإسلام عليه أن يحرص كل الحرص عليه ويقدم للآخرين أحسن ما عنده فالمعلم في مدرسته بين طلابه والأب بين أسرته مع أولاده والتاجر مع زبائنه في محله والمهندس في شركته مع عماله وهكذا كل يسد الثغرة ويساعد على التنمية ويبذل الجهد لبلده. فلا تكاسل في خدمة موظف أو زائر لقطاع من القطاعات ولا تقاعس في تقديم الأحسن فعلينا أن نحسّن نياتنا وأن نهتم بكل زائر أو مراجع للقسم وأن نوليه الاهتمام سواء في المشفى أو في السوق أو المدرسة أو الجامعة كلٌ في مكانه ومحله قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).

 

أخلاق المسلم –

خميس بن سليمان المكدمي –

«ما تمر به أمتنا من احتقان بين أبنائها، وتحريض وإيغار صدور من قبل أعدائها فينبغي أن يكون أبناؤها أكثر نضجًا وذكاء وفطنة في التعاطي مع المسائل والقضايا، كيلًا يكونوا أضحوكة ومثار سخرية، وحتى لا تجد يد المخاتلين طريقًا، للإيقاع بين أبنائها وسبيلًا للتحريض عليها».

تبقى شعائر ديننا الحنيف، وتعاليم الكتاب المنزل، هي المحتكم والمحكَّم، ولا يمكن لأي أمة أن تقوم في إطار غير الإطار الديني الذي أراده الله -سبحانه وتعالى- كي يكون هداية للناس ورحمة للعالمين، وأمة تنسف مبادئ الدين ومنهج المسلمين -بلا شك- أمة متداعية مؤذنة بالفشل والبوار، ومقبلة على الضياع والتلف، وسائرة نحو الزوال والاضمحلال، وأجاد الشاعر حينما قال: وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت.. فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا، على أن منظومة القيم منظومة متماسكة، فإن انفرط عقدها ماعت وضاعت، وهذا ما لا يقبله حر غيور.
لقد صمدت الأمة طويلا وانتشرت مبادئها في أنحاء، فلم يتعامل غريب مع مسلم حقيقي الإسلام، إلا ووجد في كلامه الصدق، وحديثه الإخلاص، ومعاملته الأمانة، وسجاياه النبل، وطباعه الشهامة، وخلقه الوفاء، فالمسلم الحقيقي لا يخون ولا يكذب ويفي بعهوده ووعوده، وهذا جزء مما أمره به دينه، ودعاه إليه إسلامه، وهداه إليه نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- فلم يعرف الخيانة في نظراته، ولا المراوغة في خطراته، فهو ملتزم كل الالتزام مقتف منهاج ربه، ومتبع هدي نبيه صلى الله عليه وسلم، وسائر نحو هدفه الذي يسعى حثيثا لتحقيقه وهو أن يرضى عنه ربه – سبحانه وتعالى – قال (صلى الله عليه وسلم) في حديث يرويه عن أبي سعيد الخدري: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحاسنهم أخلاقًا، الموطئون أكنافًا، الذين يَألَفون ويُؤلَفون، وليس منا مَن لا يَألَف ولا يُؤلَف».
وعن أم سلمة قالت: «… قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْمَرْأَةُ مِنَّا تَتَزَوَّجُ زَّوْجَيْنِ وَالثَّلاثَةَ وَالأَرْبَعَةَ، ثُمَّ تَمُوتُ فَتَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَدْخُلُونَ مَعَهَا، مَنْ يَكُونُ زَوْجَهَا؟» قَالَ: «يَا أُمَّ سَلَمَةَ، إِنَّهَا تُخَيَّرُ فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، فَتَقُولُ: أَيْ رَبِّ إِنَّ هَذَا كَانَ أَحْسَنَهُمْ مَعِي خُلُقًا فِي دَارِ الدُّنْيَا، فَزَوِّجْنِيهِ، يَا أُمَّ سَلَمَةَ ذَهَبَ حُسْنُ الْخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» وعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ أَحْسَنَكُمْ أَخْلاَقًا».
إن الناظر بعين البصيرة يرى حجم التغير الكبير في أخلاق أبناء الأمة، ولذلك عوامله المختلفة التي لا يمكن لنا أن نلقي فيه باللائمة عليهم، فإن ثمة مؤثرات خارجية وعوامل مختلفة، منها تقارب العالم تقاربًا غير خاف، بحيث أصبح العالم قرية واحدة، تنتقل فيه الفكرة في لمحة عين أو هي أقرب، وهذا ما جعل التحدي كبيرًا، والمعضلة شائكة، فتأثر جانب كبير من شبابنا وتأثروا تأثرا بالغا بهذا المد، على أنني لا أريد أن أرى الأمر بضبابية، وإنما واقع يفرض نفسه، والقضايا في ذاك كثيرة متعددة، ولعلي أطرق في هذا المقام كأنموذج من نماذج التأثر في هذه المهاترات التويترية بين فئة وفئة وشريحة وشريحة، فهناك كمية من السباب والتراشق بالشتائم، وقد كنا في منأى عن كل ذلك، وإذا بنا نتأثر تأثرًا بالغًا فلا تجد إن ثارت قضية إلا العجب العجاب من الكلمات المستهجنة الممجوجة التي لا تليق بمحاور، ولا تتناسب مع القيم والفكر السليم الوضاء، وهذا كله مؤذن بانفلات كبير ما لم ينبر له المخلصون، ويتفطن له العارفون، ويسبر غوره المربون كي يضعوا له الحلول التي تعالج المشكلة وتقضي على أسباب المعضلة واستفحالها.
إن الآيات العاطرات، والآيات البينات جاءت داعية إلى حسن الكلام وجميل المنطق، وإلى محاورة الآخرين بالتي هي أحسن، وفي ذلك ما يكون سببا في التأثير وعاملا في القبول وهو حبل وداد غير مهترئ ومسلك شديد غير مقطوع، يقول أصدق القائلين في محكم التنزيل: «ادعُ إِلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجادِلهُم بِالَّتي هِيَ أَحسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبيلِهِ وَهُوَ أَعلَمُ بِالمُهتَدينَ»، ويقول سبحانه وتعالى: (وَلا تُجادِلوا أَهلَ الكِتابِ إِلّا بِالَّتي هِيَ أَحسَنُ إِلَّا الَّذينَ ظَلَموا مِنهُم وَقولوا آمَنّا بِالَّذي أُنزِلَ إِلَينا وَأُنزِلَ إِلَيكُم وَإِلهُنا وَإِلهُكُم واحِدٌ وَنَحنُ لَهُ مُسلِمونَ)، ويقول صلوات الله وسلامه عليه مبينًا خلق المؤمن في أوضح عبارة وأبين سبيل: «ليس المؤمن بالطعَّان، ولا اللعَّان، ولا الفاحش، ولا البذيء» نعم ليس باللعان في منطقه ولا الفاحش في نطقه، ولا البذيء في عباراته، ولقد كانت وما زالت هذه القضية مؤرقة للدعاة والناظرين في شؤون الأمة لما فيها من تأجيج للضغائن، وتأصيل للأحقاد، ورسم صورة قاتمة للشخصية المسلمة، وضرب بعرض الحائط للأهداف السامية التي جاء الدين لترسيخها في النفوس علاوة على ما في ذلك من انحسار مد الدعوة لله، ونفور من كل ما هو إسلامي على علمنا أن الإسلام ما دخل في أصقاع الأرض إلا بالأخلاق الراقية للمسلمين وأنى للغير أن يقبل من مسلم هذا شأنه، ومن صاحب فكر ذلك مسلكه.
ولعلي هنا أضع النقاط على الحروف بوضع خطة محكمة وخارطة طريق يسير عليها من أراد أن يقضي على معالم هذه الظاهرة المؤرقة متمثلة في تذكير الأمة بنصوص الكتاب وسنة المصطفى الأواب -صلى الله عليه وسلم- مع تركيز على أخلاق السلف الصالح وأدبهم في فن المحاورة وإقناع الغير وإرجاعه إلى جادة الصواب دون ضجيج أو صخب، وهذا لن يتأتى إلا بتعميق معاني العقيدة معه وكيف أن عقيدة المسلم تأبى أن ينجرف المسلم مع التيار ويساير الركب أينما اتجه وسار، ومع تذكيره بالعقيدة بشكل جيد تلك العقيدة الصافية المنبع والنقية المشرب كما ولابد من توضيح للآثار السلبية على الفرد والأمة إذا تركت منهاج نبيها، وتنازلت عن بعض من قيمه ومبادئه، وكيف أن التراشق والسباب لن يجلب غير الذلة والمهانة، ويفسد معه ولا يصلح وهو ما قاله رب العالمين صريحا في كتابه ناهيا عنه ومحذرا من مغبة طريقه (وَلا تَقعُدوا بِكُلِّ صِراطٍ توعِدونَ وَتَصُدّونَ عَن سَبيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ بِهِ وَتَبغونَها عِوَجًا وَاذكُروا إِذ كُنتُم قَليلًا فَكَثَّرَكُم وَانظُروا كَيفَ كانَ عاقِبَةُ المُفسِدينَ).
وأخيرا ومع ما تمر به أمتنا من احتقان بين أبنائها، وتحريض وإيغار صدور من قبل أعدائها فينبغي أن يكون أبناؤها أكثر نضجا وذكاء وفطنة في التعاطي مع المسائل والقضايا، كيلا يكونوا أضحوكة ومثار سخرية، وحتى لا تجد يد المخاتلين طريقا، للإيقاع بين أبنائها وسبيلا للتحريض عليها.. والله يصلح شأنها ويهدي أفرادها للتي هي أقوم.