الغشاوة والوقر «لماذا نقيم على المعاصي رغم أننا نصلي ونقرأ القرآن ونصوم ونحج»

عبدالمجيد بن حمود الرواحي –

حكم الحق على من مات مصرًا بدون توبة وإنابة أنه هالك لا محالة وأن المغفرة ستكون لمن أناب ورجع قبل حضور أجله (قُلْ يا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِـيبُواْ إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ * وَاتَّبِعُـوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ * أَن تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُـنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ)، هذه هي الحقيقة فإن كانت مرة فهي خير ألف مرة من الوهم المريح (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا) أفلا ترى أن القبول إنما يكون للتائبين من بعد التوبة (وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)، (وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ الْلَّيْلِ مُظْلِماً أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)..
ألم يجعل نبي الله سليمان عليه السلام الكفر مقابلا للشكر وذلك هنا حتما لا يعني كفر الملة (قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَـذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)، (وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)، وكذلك الحال مع لقمان (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ للَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ).. ترى من الآيات أن الكفر قد يأتي بالمعنى المقابل لشكر النعمة وهي المعاصي فانظر إلى هذا المثل الصريح الذي ضربه الله في كتابه وتدبره (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) وبعد هذه المقدمة عن ارتباط الفسوق والفجور بالكفران (كفر النعمة) وبعده عن الإيمان الحق نعود لنذكر بالسؤال المطروح سابقًا: أليس هنالك الكثير الكثير من المسلمين الذين قد يقرأون القرآن، وقد يصلون ويصومون وربما يحجون ولكنهم مصرين على شيئ من أكل الربا أو الزنا أو اللواط وهنالك المصرين على الغيبة والنميمة وعقوق الوالدين وهنالك الكاسيات العاريات وهنالك الدياثة وأكل الرشا والسرقات وأكل أموال اليتامى ظلما وأكل التركات ظلما وعدوانا بل أن هنالك من العلماء من يلعن بعضهم بعضا ويكفر بعضهم بعضا بحجة المذاهب، والسؤال لماذا لم يحقق الله لهؤلاء وعده بالهداية وهو القائل: (وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) وبالإخراج من هذه الظلمات (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً)، وبالتثبيت على الحق (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ)؟ ولماذا لم تتطهر قلوبهم بالقرآن والصلاة (اتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ).؟؟
نعم أيها الكريم بعد أن تمعنت يأتيك الجواب من الخالق عن أسباب ذلك بقوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيِاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُواْ إِذاً أَبَداً)، للأسف ذلك لأننا نعرض عن الآيات التي نتلوها وليس لدينا الاستعداد لتطبيقها فنحن لا نقرأ للإتباع بل نقرأ ظنا منا أننا سنجني الحسنات رغم مخالفتنا لأوامر ونواهي البينات والحق يقول من أظلم منا إن فعلنا ذلك، ويقول أنه سيجعل على قلوبنا أغشية وعلى أسماعنا أغشية (الوقر) وعلى أبصارنا غشاوة فلن نسمع ولن نرى الآيات فكيف لقلوبنا بعد ذلك أن تفقه القرآن لتهتدي وكيف لها أن تخرج من غفلتها (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)، ذلك أن الهوى وزينة الحياة الدنيا صارت بمثابة الإله العبود (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَـهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ).. فساقنا الهوى إلى الموبقات وسارعنا إليها ونسينا ما قدمته وتقدمه أيدينا (وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).. نعم إن كان هذا حالنا فإنه سيضرب على قلوبنا الأكنة وعلى أسماعنا وقرا وعلى أبصارنا غشاوة فلن نهتدي بعدها أبدا حتى نقرر اتباع القرآن ونجاهد أنفسنا في سبيله.
أخي المسلم/‏ أختي المسلمة كن على حذر، لقد خلق الله لنا السمع لنسمع آياته ونتبعها وسمح لنا بالتنعم بها في الحلال ولكننا للأسف استمعنا وقرأنا القرآن فخالفناه (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)، فأغرقنا الأسماع بالغيبة والكذب وسماع المعازف، وخلق الله لنا الأبصار لنرى بها آياته الكونية والقرآنية وللأسف أغرقناها بالنظر في المحرمات وأكثرنا من نظرات السخرية والحسد والشهوات والنتيجة، وحتما لن تعجب بعد ذلك إذا سمعت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: (رب تال للقرآن والقرآن يلعنه) ذلك لأننا لم نأتمر بأوامره ولم ننته بنواهيه ولذلك فهل عرفنا الآن معنى (اللهم اجعل القرآن حجة لنا لا حجة علينا).. بعد هذا التشخيص قد يقول قائل إننا إذا غرقى في وحل الغفلة وقد استمرأت أنفسنا هذه المعاصي فلا أخال إلا وفي أذني وقرا وعلى بصري غشاوة وعلى قلوب إقفالها فما هو المخرج؟ وقد يقول قائل: إنني حاولت مرارًا أن اقلع عن هذه الموبقات ولم أفلح فهل من حل؟ نعم ما دام القرآن قد شخص المرض فما علينا إلا أن نغوص في أعماقه (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ)، فهيا نستعين بالله كما ندعوه في كل صلاة (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ * مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ الضَّآلِّينَ).. ونستزيده من علمه فحاشاه – جل وعلا – أن يبخل علينا إن صدقنا معه (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا).