كيف نكسر «مسلمات» أوهامنا؟

محمد جميل أحمد –

في كل مساءلة فعل نقدي بالضرورة. بل إن المساءلة هي مبرر الفعل النقدي ذاته، لا نقد بلا مساءلة. والنقد هنا بمعناه الواسع الذي يلاحق ظواهر الحياة المختلفة. ويقرأ، عبر الفكر، جميع الخطابات التي ينتجها المجتمع في مختلف نشاطاته.
اصطدام المساءلة بالمسلمات ينتج عنه بالضرورة اهتزاز وحجاج وتحّرك، وردود فعل قد تكون متعددة الوجهة والمكان من حيث الحوار والجدل والعنف أيضاً. في الخطابات المضادة التي ينتجها المجتمع دفاعاً عن تلك المسلمات.
لكن هناك من المسلمات ما لها القدرة على استيعاب المعرفة لها، ومن المسلمات مالا يصمد أمام المساءلة والفحص النقدي. وهناك الكثير من المسلمات الوهمية التي تنتجها الذهنية العربية؛ مسلمات بعضها متصل بالدين، وآخر بالوطن، وآخر بالمجتمع وبالمكان.
لكن، بطبيعة الحال، الفحص النقدي لتلك المسلمات لن يسلم من دفع الثمن بالضرورة. فالمسلمات، مع استقرارها وتراكم المواضعة والتقليد عليها، تحمل طابعاً رموزيا في العقل الباطن للبشر، بطريقة توحي دائما للعاديين من البشر؛ أن مساءلة تلك المسلمات هو بمثابة الشروع في اهتزاز خطير ليقين لا يمكن التنازل عنه.
ذلك أن المسلمات تتغلغل في ذهنية المجتمعات لأسباب عديدة منها؛ السلطة، ومنها الذاكرة ومنها الدين، ومنها التقاليد، ومنها غير ذلك.
ومن بين أسوأ التمثيلات التي تنعكس في مسلمات بعينها؛ تمثيلات هيمنة الرؤية الذكورية في المجتمع العربي المعاصر؛ تلك التي تفرِّغ معنى الرجولة وتحل محله معنى الفحولة كعلامة قياس للقيمة المضافة ليس فقط على الأفراد، بل وكذلك على الأخلاق والمعاني!.
وهذا التمثيل الخادع لمعنى الرجولة باختزالها في الفحولة هو في الحقيقة رؤية مادية تستبطن وعياً نسقياً وعدمياً في الوقت نفسه.
فهي من ناحية، تلغي فردية الإنسان وكينونته الكريمة، ومن ناحية ثانية، ترهن الطاقة الإيجابية للإنسان فقط بمخيال فحولي فيزيفي رث ومتخلف، تستدعيه ذاكرة المجتمع من حياة قبيلية موغلة في القدم ومتصلة بطفولة المجتمع العربي وبداوته الأولى التي كانت تنظر لتحديات الحياة الصحراوية فقط من زاوية «الإنتاج الفحولي» والقوة المادية للذكر.
أحياناً، تتجلى الرؤية الذكورية في بعض تمثيلاتها الرموزية عن فائض عجز تنعكس هويته الفنية عبر تأويلات خادعة للذات حيال العلاقة مع الحضارة الغربية، لاسيما خلال الظاهرة الاستعمارية، حيث ظلت الرؤية الذكورية ملاذاً تعبيريا انتقم من «أنوثة» تلك الحضارة، فقط، في المخيال الفني (رواية : موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح نموذجا) فيما ظلت مجتمعاتنا في هذا الجزء من العالم المسمى عربياً، خاضعة لهيمنة تلك الحضارة نتيجة لذلك الوعي المفكك والمرهون لمزاج ذكوري ألغى العقل وغفل عن حقيقة القيم، وهنا سنجد أن قيمة الفحولة تعكس وجهاً من وجوه وعمليات اشتغال التخلف!
ضربنا هذا النموذج من المسلمات المغلوطة حيال مفهوم الرجولة المشوه لنؤكد لكل مشتغل بنقد المسلمات، أن عليه تحمُّل ضرورة المواجهة وضراوتها مع المجتمع.
ذلك أن الطريق إلى تفكيك المسلمات التي يعوم عليها المجتمع، وفحصها وإعادة بنائها بما تتكشف عنه نتائج النقد المعرفي لها؛ من نفي، أو إثبات، أو تصحيح، هو السبيل الملكي للإصلاح والتغيير نحو الأفضل.
فجزء كبير من حياتنا تحكمه تلك المسلمات، وطبيعة استجابة المجتمع لها يكون بحسب تأويله لها.
نقد المسلمات ينبغي ألا يكون استعراضياً شكلانياً أو مجوَّفاً، فمن المسلمات ما يكشف النقد عن قوته وحيثيته المطلوبة، ومنها ما يحتاج إلى قراءات فكرية هادئة، وبطبيعة الحال هدوئها لا يعني أبداً. هدوء ردود الفعل التي قد تنجم عنها، ولا يعني أيضا سهولة الاختبار فيها.
يمكن القول إن في بعض سرديات ما بعد الحداثة حيثيات قوية لتفكيك المسلمات وبطبيعة الحال عملية التفكيك لا تعني، بالضرورة، تقويضاً. بل هي ضرب من ملاحظة ما هو أصيل وعميق فيما هو سطحي وساذج.
بمعنى آخر، إن النظر إلى المعرفة لدى فلاسفة الاختلاف، بوصفها تخلقاً لا اكتشافاً سيلعب دوراً كبيراً في التأسيس لذهنية تحليلية تفكك كثيراً من المسلمات وتقع على حقائق مهمة تعيد الاعتبار لما كان مهمشاً وفائضاً في التفاصيل؛ حين النظر إليه من زوايا جديدة واعتبار حقائق متصلة به كانت تحتاج إلى نظرات فاحصة.
إن قضية فحص المسلمات وتفكيكها لا تعني تقويضا لها، بالضرورة، كما أسلفنا، لكنها في الوقت ذاته، لا تعني تسليماً بها، ما دامت في قدرة العقل البشري إمكانات لامتناهية من طاقات المعرفة.
ومع ذلك؛ ثمة ما تحتاجه المعرفة في نفس الباحث إلى ما يتجاوزها. ونقصد بذلك الشجاعة والضمير في خطاب المثقف حين يتصدى لتفكيك الكثير من المسلمات في مجتمعه برؤية نقدية تعيد الاعتبار، عبر الفكر النقدي والشجاعة الأخلاقية، للكثير من الحقائق التي يمكن لمجتمعاتنا المتخلفة في هذا الجزء من العالم المسمى عربياً، أن تتعايش معها لسنوات، أو لعقود، أو لمئات السنين، فيما هي تفعل فعلها المعيق في تكريس الشلل الإرادي.
وخير دليل على ذلك ما نراه اليوم من «مسلمات» كثيرة نحسب أنها كذلك، فيما هي ليست كذلك، لكن يتعين علينا مع ذلك أن نتعايش معها؛ لتدور معها حياتنا دوراناً نسقياً وبلا أفق.