تصريحات وإجراءات تؤجج العنف وعدم الاستقرار في المنطقة

د. أحمد سيد أحمد –

إن المجتمع الدولي خاصة مجلس الأمن الدولي مطالب باتخاذ إجراءات حازمة لوقف مثل تلك السياسات تتجاوز الإدانة والشجب إلى استصدار قرارات عملية وفقا للفصل السابع بإبطال أي اثر لمثل تلك الإجراءات، كذلك تبرز أهمية التحرك على مستوى الجمعية العامة للأمم المتحدة لتفريغ مثل تلك التصريحات والقرارات من مضمونها كما فعلت من قبل مع قرار نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.

في إطار الدعاية الانتخابية وكسب ود اليمين المتطرف واليمين الديني المتشدد في إسرائيل استعدادا للانتخابات البرلمانية التي جرت يوم السابع عشر من سبتمبر، صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بأنه في حال انتخابه سيقوم ببسط سيادة إسرائيل على أراض فلسطينية محتلة في الضفة الغربية وشمال البحر الميت إضافة إلى منطقة غور الأردن، وهو ما يشكل تصريحا خطيرا أثار ردود فعل عربية وإقليمية ودولية رافضة له، حيث أكدت منظمة التعاون الإسلامي في اجتماع استثنائي لها على مستوى وزراء الخارجية بجدة رفضها التام لمثل تلك الخطوات التي تساهم في إشعال المنطقة وزيادة حالة عدم الاستقرار.
ولا شك أن تصريحات نتانياهو بشأن ضم أراض فلسطينية جديدة وبسط السيادة الإسرائيلية عليها لا ينظر إليها فقط كورقة أو مزايدة انتخابية وإنما تتجاوز ذلك لأنها جزء من استراتيجية شاملة وخطة ممنهجة للاستيلاء على ما تبقى من الأراضي الفلسطينية وتفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها، فهي تعد حلقة جديدة في سلسلة خطوات اتخذتها الحكومة الإسرائيلية وكذلك الإدارة الأمريكية خلال العامين الماضيين, بدأت بإقرار الحكومة الإسرائيلية لما يعرف بقانون القومية في الكنيست الذي يقصر حقوق المواطنة فقط على اليهود وينزع الحقوق الكاملة عن غير اليهود خاصة العرب من المسلمين والمسيحيين الذين يعيشون داخل حدود إسرائيل، ويساهم في إنشاء دولة دينية يهودية وهو ما يزكي الصراع والتوتر في المنطقة، ثم جاءت خطوات الإدارة الأمريكية بالاعتراف الأمريكي بالسيادة الإسرائيلية على القدس ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، ثم وقف الولايات المتحدة تمويلها للأونروا، وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة، ثم الخطوة الأمريكية بإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، ثم الاعتراف الأمريكي بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية المحتلة، وبالتالي فإن تصريحات نتانياهو بشأن ضم أراض في الضفة الغربية يأتي في سياق التوجه الإسرائيلي اليميني بالسيطرة على الأراضي الفلسطينية المحتلة وضمها رسميا إلى إسرائيل وهو ما يحمل تداعيات خطيرة عديدة أبرزها:
أولا: إن مثل تلك الخطوات تعني القضاء على ما يعرف بعملية السلام والقضاء على مفهوم حل الدولتين، ويجهض أية أمال في إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود 1967 تعيش إلى جوار دولة إسرائيل في أمن واستقرار، ففرض السيادة الإسرائيلية على القدس الشرقية ثم ضم أراض فلسطينية في الضفة الغربية تشكل حوالي 20% من مساحة الضفة في المنطقة المعروفة باسم منطقة ج وفقا لاتفاق السلام في عام 1994، وضم المستوطنات الكبرى في الضفة الغربية إلى إسرائيل، يعنى عمليا أنه لم يعد هناك أراض فلسطينية يمكن التفاوض عليها أو إقامة دولة فلسطينية لها أدنى مقومات الحياة، كما أن ضم منطقة الأغوار التي تمثل ثلة الغذاء والمياه للفلسطينيين يحرم الشعب الفلسطيني ودولته المنتظرة من مصادر الغذاء والمياه، وبالتالي فإن ما تبقى من أراض فلسطينية في الضفة إضافة إلى قطاع غزة بمثابة كانتونات منعزلة لا يمكن أن تشكل نواة دولة فلسطينية، ومن هنا من الناحية العملية وعلى أرض الواقع فإن تلك الخطوات تمثل ضربة قاصمة لحل الدولتين ويزيد من تعقيد الصراع في المنطقة. ثانيا: إن التصريحات بشأن ضم منطقة غور الأردن ومستوطنات الضفة الغربية لإسرائيل تأتى في سياق سياسة فرض الأمر الواقع التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية منذ سنوات، وقامت بتوظيف الظروف الإقليمية المتمثلة في اندلاع العديد من الأزمات العربية والحروب الأهلية وتصاعد خطر الإرهاب والتنظيمات الإرهابية والانشغال العربي بأزماته الداخلية وتراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية في ظل الاهتمام بقضايا الإرهاب والأزمات العالمية والحروب التجارية، إضافة إلى استغلال انحياز الإدارات الأمريكية المتعاقبة وخاصة إدارة الرئيس ترامب لإسرائيل وتبني وجهات نظرها، بل زاد الرئيس ترامب من انحيازه بالاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على القدس والجولان وهو ما أعطى ضوء أخضر لحكومة نتانياهو للمضي قدما في مثل هذه الخطوات والإجراءات اعتمادا على عدم وجود رد فعل دولي قوى حاسم ورادع لها.
ثالثا: أن مثل تلك الخطوات والتصريحات تعد انتهاكا صارخا للقانون الدولي ولقرارات الشرعية الدولية ولأبسط القواعد القانونية التي تفرض على الاحتلال عدم اتخاذ أية إجراءات أو سياسات أو قرارات من شأنها أن تؤثر على وضع الأراضي المحتلة، وبالتالي تصريحات نتانياهو كغيره من الخطوات الأخرى تتعارض وقرارات مجلس الأمن الدولي العديدة بشأن الصراع العربي الإسرائيلي وأبرزها القرار 242 الذي يطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية التي احتلتها عام 1967 ومنها القدس الشرقية والضفة الغربية، كما أن تلك الخطوات الإسرائيلية تعد باطلة وكأنها والعدم سواء وهو ما أكد عليه قرار مجلس الأمن 2334 الصادر في ديسمبر 2016 والذي اعتبر أن كل الإجراءات التي قامت بها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 وحتى الآن لاغية وباطلة ولا تشكل أي اثر قانوني بشأن وضع الأراضي الفلسطينية أو تنشأ وضع جديد وفقا لسياسة الأمر الواقع، وهو ما أكدت عليه أيضا قرارات الجمعية العامة للأم المتحدة التي ترفض أية تغيير من جانب إسرائيل في وضع الأراضي الفلسطينية المحتلة وتطالب كل الدول بعدم الاعتراف بشرعية ما تقوم به إسرائيل والولايات المتحدة، والذي من شأنه أن يقضي على أية فرص في تحقيق السلام العادل والشامل.
رابعا: لا شك أن مثل تلك التصريحات والخطوات ليست فقط تجهض الآمال في تحقيق السلام العادل الذي يحقق للفلسطينيين حقوقهم المشروعة في إقامة دولتهم المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ولكنها أيضا تمثل عوامل عدم استقرار في المنطقة وتؤجج الصراع وتزيد من حالة التوتر لأنها تغذي بيئة العنف في المنطقة، فرغم أن المنطقة العربية شهدت وتشهد العديد من الأزمات والحروب الداخلية وخطر الإرهاب ومشكلات الهجرة غير المشروعة، إلا أن القضية الفلسطينية تشكل القضية المركزية ومفتاح الأمن والاستقرار وحلا لبقية الأزمات، كما أن غياب حل عادل يعني استمرار حالة التوتر والصراع في المنطقة وهو أمر ليس في مصلحة أي طرف، بل إن غياب الحل العادل للقضية الفلسطينية يعطى الذريعة للتنظيمات المتشددة للمزايدة والمتاجرة بالقضية الفلسطينية وممارسة أعمالها في العنف والإرهاب.
ومن هنا فإن المجتمع الدولي خاصة مجلس الأمن الدولي مطالب باتخاذ إجراءات حازمة لوقف مثل تلك السياسات تتجاوز فقط مجرد الإدانة والشجب إلى استصدار قرارات عملية وفقا للفصل السابع بإبطال أي اثر لمثل تلك الإجراءات، كذلك تبرز أهمية التحرك على مستوى الجمعية العامة للأمم المتحدة لتفريغ مثل تلك التصريحات والقرارات من مضمونها كما فعلت من قبل مع قرار نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس. إن سياسة فرض الأمر الواقع لن تخدم مصالح أي طرف أو تحقق الأمن والاستقرار، ولكن السلام العادل والشامل والدائم هو وحده فقط السياج الآمن الذي يوفر السلام والاستقرار والازدهار وينمي بيئة التعايش والتعاون بين الشعوب في إطار التنمية والازدهار وينهي بيئة العنف والصراع. ومن ثم فإن مصلحة الجميع بما فيها إسرائيل والولايات المتحدة تجنب مثل تلك الخطوات الاستفزازية والإجراءات الانفرادية التي تقوض فرص السلام العادل وأن تغير من منهجها وتتجه لتحقيق السلام وفق للمرجعيات الدولية التي تضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، أما الرهان على سياسة فرض الأمر الواقع أو المزايدات الانتخابية والتسابق في التطرف واتخاذ مثل تلك الإجراءات فإنها أشبه بمن يصب الزيت على النار وتغذية بيئة الصراع والتوتر في المنطقة والتي سيدفع ثمنها الجميع سواء في استمرار الصراع والحروب أو إعاقة الشعوب عن تحقيق التنمية والتعايش ونشر ثقافة السلام والرخاء.