سقوط العمالقة

مصباح قطب –

أخشى أن يكون الأمر نذير شؤم !. أعني سقوط عملاق السفر البريطانى « توماس كوك» ، الذي أعاد الى الذاكرة على الفور سقوط العملاق – العجوز ايضا – « ليمان برازر» مع اندلاع الأزمة العقارية والمالية والاقتصادية العالمية فى 2008 . سقوط برازر كان واحدا من أعتى الضربات المالية التي تعرض لها القطاع المصرفي الأمريكي، فهو رابع أكبر بنك استثماري في الولايات المتحدة وعمره فوق 150 عاماً . سقوط توماس يعني ضياع اشهر اسم تجارى في بريطانيا التي تاهت فيها كل الأسماء والافعال في ارتباكات مشهدها السياسي الراهن . الأدهى من ذلك انه يؤشر تلقائيا على اجواء تشاؤم معتمة فى بلاد الضباب ويغذيها حتى وان كان تأثيره الاقتصادي ضعيفا.
قصص سقوط الكبار متعددة ، لكن ينظمها غالبا رباط واحد وهو سوء تشكيل الهندسة المالية الهيكلية والتشغيلية للمؤسسة فلا تجد بدا من التسليم والرضوخ وإشهار الإفلاس . فى كل الحالات ايضا تصنع الاوضاع العالمية والمحلية والقطاعية الخلفية اللازمة للسقوط فتعجل به او تبطئه ، ونادرا – وفجأة – ما تجعل المؤسسة قادرة على الإفلات من مصيرها المحتوم . سقوط الكبار حكاية تعيش وتكبر لعقود الى أن تبدأ في التلاشي ، فكل واحد ومقامه كما يقولون ، بينما لا يحتل سقوط الصغار من الاهتمامات الا الحيز الذي يناسب حجمهم وتتبدد قصته فى زمن شبيه بذلك الحجم . هناك دائما فارق بين كبير له تاريخ يسقط ، وحديث كبير يقع . الأول يهز المشاعر والجيوب والاخير يهز المحافظ والبنوك ليس أكثر.
نعود الى توماس كوك ، التي اعلنت إفلاسها صباح الاثنين الماضى بعد عمل استمر 178 عاما ، وإثر عجزها عن الوفاء بالتزاماتها وفشل خطة انقاذها . تركت الشركة مئات الآلاف من المسافرين عالقين ما حتم على الحكومة البريطانية وضع خطة هي الأضخم منذ الحرب العالمية الثانية لإعادتهم وفق قواعد تم إعلانها . يأتى السقوط فى أجواء تتفاقم فيها التوقعات بشأن قرب حدوث ركود اقتصادى عالمي مخيف، كما يأتى وسط حالة من الانقسام السياسي البريطاني غير المسبوق فى هذا البلد بسبب « بريكست » ويجيء ايضا وواحد من اهم المساهمين في الشركة وأكثر من عولت عليه خطة انقاذها وهو شركة « فوسن جروب للسياحة» الصينية ، يعتورها القلق بسبب التأثير السياحي – وغير السياحي – للحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة ، وهو قد كان بالفعل سببا مباشرا في ان الشركة الصينية وقفت بعرضها المالي للانقاذ عند حد معين ولم تشأ أن تساهم في تدبير الـ 200 مليون دولار الاضافية المطلوبة لإنقاذ الشركة ومن ثم كان الافلاس. توماس كوك كانت تقوم بتشغيل خطوطها الجوية الخاصة، مع أسطول من حوالي 50 طائرة متوسطة وطويلة المدى ، وتمتلك العديد من شركات الطيران الصغيرة والشركات التابعة ، بما في ذلك شركة الطيران الألمانية «كوندور» . تعيد القصة الى الأذهان ايضا قضية جدلية لن يحسمها الزمن لكنها متجددة في نفس الوقت ، الا وهي متى وكيف وإلى اي حد تتقدم الدولة – اي دولة لانقاذ شركة كبرى من السقوط ومتى تحجم عن ذلك ؟ . كلنا يذكر كيف احجم بوش الابن عن انقاذ «ليمان برازر» وقال انه لايمكن ان يفلت الكل من العقاب وترك ايضا عملاق التأمين « ايه اى جى يهوى الى القاع ، وبالاضافة فان اوباما لاحقا قاد برنامجا لانقاذ جنرال موتورز . الحجة الأساسية التي تقال عند قبول الإفاقة وتكلفتها او رفضها هي طبيعة تشابكات الشركة مع الغير ومع النشاط الاقتصادي ومدى تأثيرها على بقية القطاعات ، لكن يبقى في كل الحالات تحيزات لصانع القرار سواء عن قصد او غير قصد في اختيار من يتم تركه لينحدر ومن تتم إقالته من عثرته .
من هنا ذكرت وكالة « بلومبرج» مبكرا أنه من غير المرجح أن توافق حكومة المملكة المتحدة على إنقاذ شركة الطيران المتعثرة. ونقلت عن وزير الخارجية قوله: «نحن لا نتدخل بشكل منهجي باستخدام أموال دافعي الضرائب لتعويم شركات ، ما لم تكن هناك مصلحة وطنية استراتيجية جيدة للقيام بذلك.»
ودافع رئيس الوزراء بوريس جونسون عن قرار رفض خطة الإنقاذ الحكومية التي قال إنه تم طلبها ، بقيمة تبلغ حوالي 150 مليون جنيه استرلينى ، وقال للصحفيين في طريقه إلى نيويورك لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة : «هذا كثير من أموال دافعي الضرائب». «إنها تشكل خطراً أخلاقياً». لن نعرف كل التفاصيل الخاصة بأسباب السقوط والعجز عن الاستمرار الا بعد وقت قد يطول – وستظهر بعض التفاصيل في محكمة الافلاس بالتأكيد – ، وما القيمة السوقية للأصول الراهنة داخل بريطانيا وموقف الأصول الخارجية وكيف سيتم بيع الأصول وسداد المستحقات واولويات ذلك. كل ما نعرفه أن توماس كانت قد توصلت إلى اتفاق بشأن صفقة إنقاذ بقيمة 900 مليون جنيه إسترليني ، مع شركة فوسن الصينية التي تقدم نصف هذا التمويل ، وان الدائنين طلبوا من الشركة البريطانية تأمين 200 مليون جنيه إسترليني إضافي. تفاوضت الشركة فى مكتب محاماه مع الدائنين لمدة 11 ساعة متصلة إلى وقت متأخر الأحد ولما لم يتم الاتفاق على حل وقع المحظور. ولفت نظرى امرين مهمين ، الأول انه على الرغم من أن الركاب والعاملين في توماس كانوا يشعرون بالقلق ، إلا أن الجو العام كان يميل لتأييد الدعم. ووقع أكثر من 50000 شخص على عريضة تحث الحكومة والمقرضين على مساعدة توماس كوك فى أعقاب الإعلان الحزين . ضمن أسباب التوقيع، أقر الكثير من الناس كما قال تقرير لصحيفة عالمية، حبهم للعلامة التجارية، حيث وصفوها بأنها «شركة رائعة» و «رمز بريطاني».
اعتبر التقرير توماس كوك أكبر ضحية لعملية تحول استمرت لعقود في مجال السفر. شجع ظهور شركات الطيران المخفضة ومنصات الحجز عبر الإنترنت الأوروبيين المتعطشين للشمس على استبعاد مشغلي الرحلات السياحية وترتيب رحلاتهم الخاصة ، في حين عانت الصناعة الموسمية للغاية من صدمات تراوحت بين الإرهاب والاضطرابات السياسية. لكن وكما هو متوقع فان مصائب قوم فوائد لآخرين فقد تراجعت سندات توماس كوك الأوروبية بعد انهيار الشركة وفي بريطانيا واسهمها في هونج كونج بنسبة كبيرة وفي المقابل ارتفع المنافس الألماني TUI AG بنسبة تصل إلى 11 ٪ ، ومثل الانهيار ضربة أخرى لقطاع السفر الأوروبي ، بعد أشهر فقط من إفلاس شركة الطيران الأيسلندية Wow Air . التى كانت أغلقت عملياتها في شهر مارس بسبب نقص التمويل ، وقبلها انهارت Monarch في عام 2017 بعد محاولة فاشلة للتبديل إلى عمليات منخفضة التكلفة مجدولة .
الأمر الثاني هو ما ذكرته صحف اجنبية ايضا وهو ان التحديات التي واجهت توماس أثبتت في النهاية أنها لا يمكن التغلب عليها.ما السبب؟. السبب ان مجموعة من صناديق التحوط نظمت نفسها لمنع خطة الانقاذ لأنها تمنعهم من صرف أموالهم على حيازات المقايضات التي يتم دفعها عندما تتخلف الشركة عن سداد ديونها. كان هناك قلق أيضًا من أن الزملاء سيتجنبون توماس كوك فى المستقبل. ان موقف صناديق التحوط هذا ليس جديدا ورأينا نماذج منه في الأسواق الأمريكية حيث ترى شركات/‏‏ صناديق التحوط في كثير من الأحيان ان سقوط الشركة في شبكة الافلاس افضل لها من استمرارها تترنح او عاجزة وفق تقديرهم حتى لو رأى آخرون أن الشركة لديها فرصة قوية للاستمرار، ولهذا كما اشرت في
البداية فان حسابات الهندسة المالية للمؤسسات وكيف وممن تستدين وبأي شروط هي عملية حاسمة في تقرير مصير الشركات في اللحظات الصعبة .
في بريطانيا فان سقوط آخرين كبار متوقع خاصة اذا ما تم الخروج من الاتحاد الأوروبي بدون صفقة، وفي العالم كله خوف من ان يأتي موسم سقوط كبير للجميع فى 2020 ، وما بين الخوف هنا والذعر هناك تمضي الحياة ويبقى الأمل .