وتر : إلى روي بيتر كلارك

شريفة بنت علي التوبية –

مما جاء في كتاب أدوات الكتابة لروي بيتر كلارك «الكتابة حرفة يمكنك تعلّمها»، وبصفتي مواطنة عربية مثقلة بآلام عروبته، فإني أتفق معك يا كلارك عدا أن تكون الكتابة حرفة في وطننا العربي، فنحن قد احترفنا كل أنواع الألم والهزيمة، ولكننا لم نحترف الكتابة رغم كل ما نكتب.
الاحتراف الأدبي يا كلارك كلمة غريبة على مسامعنا، نتمناها بقدر بُعدها منا وقربها منكم، وبقدر انشغالنا بمتاعب الحياة والبحث عن اللقمة التي نسد بها جوع بطوننا، وبقدر محاولاتنا لسرقة الوقت من عين الزمن ورغم أنفه، وبقدر تفرغكم لهذا العمل العظيم، فتمتهنون الكتابة وتعيشون لها ومنها، ونحن العاشقون لها بجنون المُحّب لمن يعشق، فلا يرجو منه سوى الإخلاص، نكتفي بتلك اللذة التي نشعر بها حين تلامس أناملنا غلاف كتاب وصفحاته، ويصبح صوت نقر أصابعنا على لوحة المفاتيح لحن موسيقي عذب إلى درجة أن نرقص طرباً من فرط النشوة، نكتفي بتلك السعادة التي تتلبس قلوبنا يا كلارك كلما نُشر لنا نص جديد في صحيفة أو مجلة أو حتى موقع أدبي، ونكون سعداء جداً لو عقّب أحدهم على فكرة كتبناها حتى لو صبّ جام غضبه ولعناته علينا، وألبسنا من الاتهامات ثوباً لا يليق بنا، فقط يسعدنا أن نعرف أن هناك قارئا، ويفرحنا أن تخبرنا دار النشر أن عدد المبيعات لكتاب كتبناه قد وصل مستوى غير متوقع في بلدانٍ لا تقرأ، ويعتقد أهلها أن من الحماقة أن تصرف على شراء كتاب ما يمكن أن تصرفه على رغيف خبز.
نحن ننسى أنفسنا يا كلارك حينما نكتب، فنضحّي بأشياء كثيرة في سبيل الخروج بنص يليق بقارئه، رغم أن ألف يد من أيادي الحياة تتجاذبنا وتشدّنا إليها دون رفق وبلا رحمة، فنقبض على الفكرة كقابض على جمرة، ونحن نعلم أن أغلى وأخطر ما نملك أفكارنا، نصوغها صياغة العاشق المترف بجمال معشوقه، نغلّفها بلغة سردية أنيقه كي تصل للمتلقى شهية عذبة، فلا تَجرح ولا تُرهق، فقد تقتلنا كلمة كتبناها وقد تخنقنا كلمة لم نكتبها، لذلك لا ألوم العربي إذا لم يأتِ بما أتى به ماركيز أو همنجواي أو ديستوفيسكي، وأصفق طويلا بل وأنحني أمام أي عمل أدبي عظيم كتبه كاتب عربي، لأني أعلم تماماً أي تضحية وأي معاناة وأي حذر يعيشه الكاتب لحظة الكتابة، فهو كمن يمارس إثماً أو يرتكب ذنباً، فكيف للمثقل بكل هذه القيود أن يحترف ما يحب؟