سياسة ترامب .. دراما عرض الرجل الواحد

عاطف الغمري –

عدد من مراكز الفكر السياسي اختارت اللجوء إلى مؤرخين بارزين في الولايات المتحدة، للإجابة على سؤال محدد هو: كيف سيحكم التاريخ على الرئيس دونالد ترامب؟.. وهل سيسير الرئيس الذي سيخلفه في البيت الأبيض على نفس نهجه أم سيعيد التوازن إلى السياسة الخارجية تحديدا، والتي ميزت الرئاسة الأمريكية لعشرات السنين؟.
وفي تقديم إجابة على هذه التساؤلات أشار بعضهم بداية، إلى أن الولايات المتحدة عرفت رؤساء قليلين، كفاءتهم ومعرفتهم محدودة بالسياسة الخارجية، ولكنهم استطاعوا تعويض هذا النقص بالالتزام بفكر وتمرس مؤسسة السياسة الخارجية، وليس الخروج عليها مثلما فعل ترامب. وعلى سبيل المثال فإن الرئيس هاري ترومان كانت معرفته محدودة بالعالم وبالعلاقات الدولية، ولكنه عوض ذلك بالاستعانة بشخصيات متفوقة في قدراتها في هذا المجال، مثل دين اتشيسون، وجورج مارشال، الذين تولى كل منهم منصب وزير الخارجية.
ومثل جورج دبليو بوش الذي تضاءلت معرفته بالعالم وبالسياسة الخارجية، فاستعان بشخصيات لديها رؤية ووجهة نظر في هذا المجال، لكن هذه الشخصيات كانت تنتمي إلى حركة المحافظين الجدد فأحدثت انقلابا في المفاهيم التقليدية للسياسة الخارجية، وكانت النتيجة رفضا لها من كافة خبراء السياسة الخارجية أصحاب الآراء المعتدلة سواء من الجمهوريين أو الديمقراطيين، وكانت أهم كوارثهم حرب العراق.
وشخّص هؤلاء هوية سياسية ترامب بأنها مثل دراما عرض الرجل الواحد، أو ما يعرف بالمونودراما، حتى إن مواقفه وسياساته انطبعت عليها شخصيته كفرد، أكثر من كونها تعبيرا عن فريق. والبعض الآخر شبهه بشخصية الكاوبوي، الذي يحتل منفردا مساحة المشهد الذي يعرض فيه نفسه وقدراته ومواقفه.
وفى مواجهة الانتقادات التي لا تتوقف تجاه ترامب، فإنه كان يرد على منتقديه بأنه هو صوت الشعب، ولهذا كان التحدي الحقيقي أمام المؤرخين، هو الفصل بين التيار الشعبي الذي يؤيده بدافع من غضب وإحباط طويلين من مؤسسات الحكم في الولايات المتحدة، وبين تيارات قوية يظهر رفضها لترامب، أن مؤيديه ليسوا هم كل الولايات المتحدة.
ثم طرحت آراء المؤرخين ردا على التساؤلات التي قدمت إليهم في نهاية عام 2018 من المجلة المتخصصة بوليتكو Politco بحيث يضعون ما حدث في الاثني عشر شهرا الأولى من حكم ترامب في إطار تاريخي، وكيف سيتذكر المؤرخون هذه الفترة؟
عدد المؤرخين الذين قدموا تشخيصهم لهذه الفترة كان كبيرا، وسوف نستخلص منه بعض المؤشرات.
المؤرخ جوزيف إيلين وصف رئاسة ترامب في تلك الفترة بالطائشة والممزقة، وإنها فترة تسمى عام الاضطراب.
المؤرخ هـ. براندز البروفيسور بجامعة تكساس قال إن عام 2017 وما تبعه من أحداث في عام 2018، يمثل لحظة تاريخية لتراجع أمريكا عن وضعها كقيادة للعالم، وهي فترة شهدت تناقضات واضطرابا.
المؤرخ نيكول هيلمر بجامعة فيرجينيا قال عن العام الذي مضى من حكم ترامب بأنه زلزال سياسي هز الولايات المتحدة. وحين حل عام 2018 فإننا بدأنا نتبين الأضرار التي ألحقتها بنا سياسة ترامب.
المؤرخ مايكل كازان بجامعة جورج تاون قال إن التراجع في مكانة أمريكا قد بدأ بما حدث في فيتنام منذ 50 عاما. ثم بدأنا نتبين مؤخرا ازديادا في وتيرة هذا التراجع.
المؤرخ ويليام جونز بجامعة مينسوتا قال إن الفريق المعاون لترامب قد فشل في إدارة السياسة الخارجية، وبدت أمريكا مثل حاملة طائرات بأربعة محركات، لكن ثلاثة منها قد تكسرت.
ربما يكون حكم خبراء السياسة فيها نوع من التحامل على ترامب، نظرا لأنه بدأ عهده، برفض آراء وأفكار النخبة التقليدية المنتمية إلى مؤسسة السياسة الخارجية. لكن الأحكام التي يقدمها المؤرخون تكون متجردة من التحامل الشخصي عليه، لأنها تبنى أحكامها على معايير علمية وتاريخية.
ولهذا فإن هذه الأحكام الصادرة من مؤرخين محترفين، قد جاءت في إجمالها لغير صالح ترامب، وهي مؤشر على ما يمكن أن يكون عليه حكم التاريخ بالنسبة للرئيس ترامب.