ناتاشا

عادل محمود –

في السبعين، ثمة مجانين، إذا نظرنا إلى سلوكهم من خلال السنين التي يحملونها كندبة على أكتافهم، تحت قمصان ملونة لا تليق بشيخ، هؤلاء يستحضرون الصبا فجأة ويعيدون إنتاج العبث: إعادة عقارب الساعة إلى الوراء! صديقي واحد من هؤلاء. فقبل خمسين سنة ذهب إلى موسكو ابن عشرين سنة ليحصل شهادة الدكتوراه في الزراعة. وهناك، ككل الطلاب القادمين من الشرق تعرّف على «ناتاشا» ما، وأحبها. و«لودا» ما وأحبها، وفي الشهر الأخير، وفي حفل تخرج طلاب الدكتوراه، تعرّف على آخر «ناتاشا» في الاتحاد السوفييتي، وأحبها. ولكنه غادر موسكو إلى دمشق واعدا بالعودة إليها، ولم يعد.
مضت الأيام والأشهر والسنون وهو يفكر بالعودة، ولم يعد. تزوج وأنجب وتقدم في الأمراض وفي السن وفي الذكريات، ولم يعد. إلى أن جاءه من زملاء الماضي من ذكّره بها وأعطاه عنواناً ورقم هاتف. حاول الاتصال بها، فكان الرقم مغلقاً طوال الوقت. فقرر الذهاب، ذات يوم، كمجنون في السبعين، إلى موسكو وهناك سيجدها، فلديه العنوان، ومكان العمل القديم. سيعرفها من الرائحة، هكذا قال.
وها هو يدعوني إلى المقهى ليحكي لي قصة المغامرة. ولأنني أحب هذا النوع من المجازفات غير المتناسبة مع أهدافها، وانظر إليها كقصص، فلولا وجود هكذا شخصيات في الواقع، لما كان هناك شخصيات في الخيال. فقلت له: وماذا بعد؟ في أفضل الأحوال ستذهبان إلى مكان اللقاء الأول ذات إجازة في غابة بيتولا في ضواحي موسكو.
وهناك تتذاكران بما كان وما لن يكون أبداً. ثم تحدثك عن فلاديمير ابنها الوحيد، وأنت تحدثها عن ليلى ابنتك الوحيدة. ثم تذهبان إلى الفندق، وفي الغرفة رقم 111 في الطابق العاشر حيث التقيتما معا قبل حوالي نصف قرن، ستعيدان سيرة الحب. وستخافا من فكرة المقارنة بين أجساد عبثت بها يد السنوات، أكثر مما مرّت عليها يد الحب.
تأملني هذا الصديق بفزع وقال لي: «أنا خريج الزراعة، وأنت خريج الأدب، وتحدثني كفلاح يشرح زمن البذار وزمن الحصاد، وزمن تلقيح الأبقار؟». وفي الحقيقة، كان تأنيبا في مكانه، فأنا من مؤيدي فكرة أن الحب العادي قد ينتهي بالزواج، أما الحب غير العادي فهو المنتج الحصري للقصص، الروايات والأفلام واللوحات والموسيقى، والجحيم أيضاً.
قلت له: اذهب إلى موسكو، وتذكر مجنونا آخر، ولكنه عاش مائة عام ولم يلتق بحبيبته «فاريا» التي تركها شابا في موسكو، أوائل هذا القرن، على أمل أن يعود إليها، ولم يعد. هذا العاشق هو ناسك الشخروب، الكاتب اللبناني ميخائيل نعيمة، الذي ترك خلفه الوصية التالية: «اتركوا باب قبري مفتوحا، فقد تأتي «فاريا» لزيارتي».