نوافذ: مفاتيح..

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

الفهم السائد أن المفاتيح هي تلك الآلة المرتبط عملها بالأقفال، سواء تلك الأقفال التقليدية، أو تلك التي تطورت مع الزمن؛ فأصبحت آلية، أو إلكترونية، وفي المقابل أيضا تطورت المفاتيح، فبعد أن كانت آلة حديدية، أو نحاسية، تطورت أكثر فأصبحت كهربائية، أو باللمس، أو برفة العين، والزمن متكفل بالذهاب إلى تطورات أكثر مما هو معقول، فكل ما كان خيالًا في أذهاننا بالأمس، أصبح حقيقة في واقعنا اليوم.
الطرح هنا يذهب أكثر إلى رمزية المفاتيح، وليس المفاتيح المعهودة، وهذه الرمزية بقدر ما هي متداولة، ومعتمدة، إلا أنها غير واضحة وضوحًا مجردًا، أو أن في ممارستها لا ينزلها الناس منزلة الحالة المتجسدة عبر المادة، فيقال لك على سبيل المثال: «الكلمات تشبه المفاتيح إذ استخدمتها بشكل صحيح تغلق بها فم أو تفتح بها قلب» طبعًا؛ هذه الصورة تحتاج إلى استحضار واع لرمزية المفاتيح، وليس يسيرا فهم ذلك عند عامة الناس، الذين قد يقفون مندهشين مما تصفه أنت بالمفاتيح في هذه الجملة، وهذا أمر طبيعي، فوصف الـ«عين الثالثة» مثال آخر؛ قد يذهب بعيدًا عن الفهم لمعنى العين المعروفة عند عامة الناس، فهل يعقل أن تكون هناك «عين ثالثة» هذا؛ قد يعتبره البعض؛ ضربا من الخيال المبالغ فيه، ولكن الحقيقة، نعم؛ هناك عين ثالثة، ورابعة، وخامسة، كما هو الوصف في «الحاسة السادسة» ومن الأقوال المأثورة، قول القائل: «رحم الله امرأ نفعه ظنه» والظن كما هو معروف ليس مادة ملموسة، كما هو حال الكلمة وتأثيراتها المختلفة الجارحة منها، وتلك التي تنزل على النفوس بردًا وسلامًا في جانبها الآخر.
والـ«مفاتيح» في حقيقتها -كما هو معلوم- لم تكن للأشياء المادية فقط، فهي تلعب دورًا محوريًا في كثير من المعنويات، فما بين البشر والبشر مفاتيح كثيرة، ما بين البشر والكائنات الأخرى مفاتيح، وقد قرأت مؤخرًا معلومة تقول: «إن هناك علاقة قائمة ومتفاعلة، بين البشر والأشجار، وأن الذين يعملون في الحقل الزراعي، هم الأكثر فهمًا لهذه العلاقة، فهناك مفاتيح تعمل على تيسير الفهم بين الطرفين» فسبحان الله، الذي يوجد هذه العلاقات بين مختلف الأشياء والكائنات.
لذلك إذا استعصى عليك أمر ما من أمور الحياة في شأن ما، وهذا الأمر محسوم أمره عند فلان من الناس -وقد أغلقت أمامك كل الأبواب- ستجد من يقول لك عليك بفلان، فهو مفتاح لفلان، وفعلا تتحقق هذه النبوءة عند العمل عليها بصدق وقناعة، ولذلك تجد في محيط أسرتك -على أقرب الأمثلة- أن مجموع الأولاد يذهبون عند حاجتهم لأمر ما من أبيهم أو أمهم أو واحد من إخوانهم أو أخواتهم؛ ظنا منهم أن المقرب أكثر، فيطرحون (عليه/‏‏ عليها) مشكلتهم، ويصفونه بمفتاح القلوب لدى أحد الأبوين، وقد يكون الأمر لا يحتاج إلى هذا الظن، ولكنهم أقنعوا أنفسهم بأن هذا هو الطريق السليم للنجاح، وما ينطبق على مؤسسة الأسرة ينطبق على مؤسسة العمل، فهناك موظف -يظل معروفا- بين زملائه بأنه المفتاح للمسؤول الأعلى، وبالتالي لا تتحقق الطلبات إلا من خلال تدخل فلان «المفتاح» وبغير ذلك تذهب جميع المحاولات سدى.
وكما هو الفهم السائد عند الجميع -كصورة نمطية عند أغلب الثقافات- أن المرأة هي مفتاح الرجل، وأن صانع الشاي والقهوة في مكتب المسؤول هو مفتاح هذا المسؤول أو ذاك، ويضاف إليهم «السائق» في أي موقع يكون، وكذلك البنت هي مفتاح أبيها، وقس على ذلك أمثلة كثيرة في هذه الحياة، وطبعًا غير منكور تأثير الكلمة الطيبة، والتواضع الصادق، ويضاف اليوم؛ كفهم الحديث؛ أثر الحوار المعزز بالحجة والبرهان، من شأن ذلك كله أن يفتح الأبواب المغلقة، وينهي عقدًا رانت على قلوب أصحابها ردحًا من الزمن.