نتانياهو وتصريحات «طوق النجاة» حول «الضفة الغربية»

يسرا الشرقاوي –

كان يفترض أن تكون هذه التصريحات «طوق النجاة»، الذي يأمل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أن تنقذه مجددا وإنما بمقدار أكبر هذه المرة فتحقق له الأغلبية البرلمانية، فتجنبه تكرار تجربة فشله في تشكيل حكومة ائتلافية خلال الشهور الأخيرة.
ويقصد بتصريحات «طوق النجاة» ما أعلنه نتانياهو قبل أيام قليلة من ثاني انتخابات برلمانية يعايشها النظام الإسرائيلي خلال خمسة أشهر، والتي انتهت المرحلة الأولى منها دون الحسم لصالح أي من المرشحين الأوفر حظا نتانياهو وحزبه العتيد الليكود، والجنرال السابق بيني جانتس زعيم التحالف الحزبي «أزرق وأبيض».
كان نتانياهو، وفقا لما كتبه راجا شهادة، المحامي والكاتب الفلسطيني، على صفحات « نيويورك تايمز» الأمريكية بتاريخ 17 سبتمبر الجاري، يأمل أن تنجح تصريحات « طوق النجاة» حول استعداده لضم ثلث الأراضي المحتلة بالضفة الغربية وبشكل رسمي إلى ما يسمى بالأراضي الإسرائيلية، في حشد أكبر للتيارات اليمينية المتشددة وكتل المستوطنين وراءه.
والغرض من وراء الحشد المنشود، كان بالطبع حسم مسألة التصويت الانتخابي لصالحه ولصالح الليكود من الجولة الأولى. والغرض أيضا أن يكون التصويت بالنسبة اللازمة والحاسمة حتى تكفل له الأغلبية البرلمانية ، بحيث لا تتكرر أزمة مفاوضات تشكيل حكومة ائتلافية مع أطراف حزبية أخرى في أعقاب الانتخابات العامة في أبريل الماضي، والتي انتهت بالفشل واستلزمت إجراء انتخابات جديدة. ولكن يبدو أن « طوق النجاة» لم يكن بالمتانة الكافية. ولكن ذلك لا يعني تخلي نتانياهو عن تصريحات ضم ثلث أراضي الضفة الغربية بما في ذلك منطقة «غور الأردن».
هذه التصريحات لها أكثر من دلالة سواء إقليميا أو دوليا. فمبدئيا، ووفقا لما أوضحه جيدون ليفي، كاتب المقال بصحيفة « هاآرتس» الإسرائيلية، فإن تنفيذ نتانياهو لوعده لا يزيد عن « تحويل الواقع في هذه المنطقة إلى واقع سياسي»، وأضاف مؤكدا « الوقت حان للتعامل مع الحقيقة». ومسألة « التحول إلى الواقع السياسي» الذي يقصده الكاتب الإسرائيلي تشير في حقيقة الأمور في الضفة الغربية، حيث يعيش الإسرائيليون ويتمتعون بوضعية وقوانين الأراضي الإسرائيلية من «التسهيلات الضريبية» و «القروض العقارية المخفضة»، وفقا لما أورده الفلسطيني شهادة في مقاله بنيويورك تايمز.
وكان شهادة قد أكد أن تفاصيل الأمر الواقع بالضفة الغربية تدفع الفلسطينيين شيئا فشيئا إلى فقدان الأمل في تحقيق حلم «الدولتين»، خاصة مع الإشارات الواردة من واشنطن حول أن خطة السلام التي يشاع عن تبني إدارة دونالد ترامب لها تتجاوز هذا الحلم من الأساس. وأن لا يرد ضمن تفاصيلها إلا احتمال « الدولة الواحدة». ويتأكد ذلك بموجب ما أورده نتانياهو عن إعلانه أنه ينتظر لإتمام خطوة ضم أراضي الضفة الغربية وفقا « لأقصى درجات التنسيق مع دونالد ترامب». يدعم نتانياهو في ذلك الموقف، سياسات إدارة ترامب إجمالا، والتي جاءت في المجمل لتصب في صالح التوجه الإسرائيلي، سواء من حيث الاعتراف بالقدس كعاصمة لدولة إسرائيل أو من حيث الاعتراف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان، أو من حيث ما يتردد عن تجاوز خطة السلام الأمريكية المفترضة لـ « خيار الدولتين».
وتأكيدا على تجاوز مسألة « خيار الدولتين» وتفتيت فرصة السلام مستقبلا، تصريحات نتانياهو جاءت بالتأكيد على مبدأ «ضم الأرض وليس ضم الفلسطينيين». ما يعني تحويل الضفة الغربية إلى كيان تتوزع فيه مراكز تواجد الفلسطينيين بشكل منفصل ومتناثر، بدون رابط بينهم. وأن تكون هذه المراكز، محاطة بانتشار إسرائيلي معترف به رسميا وسياسيا. ما يعني فقدان أداة «الأرض» التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية. ومنطقيا، سيتم ضرب اتفاقية أوسلو 1993، والتي كانت قد أقرت أن حسم مصير أراضي الضفة الغربية سيتم عبر التفاوض بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني.
مسألة تجاوز «الدولتين»، وتنامي فكرة « تطويق» الفلسطينيين في الضفة الغربية أثار عاصفة من الانتقادات التي وردت من القيادات العربية المختلفة وتحديدا في الأردن والمملكة العربية السعودية. كما أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن تنفيذ وعود نتانياهو الانتخابية يعني نسف أوسلو وغير أوسلو من الاتفاقيات المعنية بعملية السلام في الشرق الأوسط.
ولكن هل يمكن فعلا لنتانياهو تنفيذ وعده الانتخابي، والذي أكد أنه الأول من نوعه الذي يأتي به رئيس وزراء إسرائيلي؟ في ضوء الدعم الأمريكي، وحقيقة الأمر الواقع في الضفة الغربية، يمكن تصور تنفيذ هذه التعهدات. ووفقا لتقرير موقع « فوكس» الإخباري، فإن الأمور قد تنتهي إلى منح الفلسطينيين في الضفة الغربية خيار التصويت على التجنس بالجنسية الإسرائيلية، ولكن ذلك يعني تنامي الكتلة الديموغرافية للعرب داخل إسرائيل، بحيث تتجاوز تعداد الكتلة اليهودية، وبالتالي تكون الأرض خصبة لإشعال أعمال عنف ضارية ومستمرة.
إدراك صناع القرار الإسرائيلي لذلك الاحتمال يجعل من غير المحتمل اللجوء لفكرة « التجنيس»، خاصة مع تنامي الموقف العنصري العنيف في أوساط اليمين الإسرائيلي والذي بدا واضحا في سياق تصريحات نتانياهو عقب الإعلان عن النتائج المتقاربة في ختام الجولة الأولى للانتخابات الأخيرة. فأوضح أن الأمور بين خيارين « حكومة برئاستي أو حكومة بالاعتماد على الأحزاب العربية»، كون تحالف الأحزاب العربية جاء في المرتبة الثالثة بعد «الليكود» و تحالف « أزرق وأبيض».في الأغلب أن مسألة ضم أراضي الضفة الغربية لن تتم في القريب العاجل، وذلك لكونها مرهونة بتحقيق نتانياهو أغلبية مريحة، أو تشكيله تحالفا مع أحزاب ذات توجه متوافق. ولكن مؤشرات المشهد الحالي تصب في صالح سيناريو الأغلبية المقيدة لنتانياهو والمعارضة البرلمانية القوية التي تمنعه من تحقيق تعهده الانتخابي والانقلاب رسميا على مشروع « الدولتين». ولكن الأكيد أن ما جرى بموجب تصريحات « طوق النجاة»، هو الطرح وبشكل رسمي لخيار ضم أراضي الضفة الغربية. ذلك الطرح الذي يتم مستندا على جدل « الاحتياجات الأمنية » لدولة إسرائيل، وعلى الاحتمال الوارد جدا لنيل دعم دونالد ترامب، الطامع في فترة ولاية ثانية، والذي في الأغلب سينالها، وسيكون من مصوغات فوزه استمالة الجالية اليهودية.
مجرد الطرح يجعله بندا سياسيا ويوجه دفة الخطاب الإسرائيلي إجمالا لضرورة التعامل معه، ومع تنامي التوجه اليميني المتشدد وتزايد سطوته، يمكن الجدل بأن ذلك الطرح سيحقق تواجدا قويا ودائما تدريجيا على الطاولة السياسية الإسرائيلية. ما يعني أن عملية الضم قد تجد ما يعيق تحقيقها في الأيام التالية على فوز نتانياهو إذا ما تحقق له الفوز، ولكن ما فعله نتانياهو أنه نجح في إدراج هذا البند وبقوة على الأجندة السياسية الإسرائيلية وبشكل يصعب تجاهله في الفترة المقبلة.