نتانياهو .. وما لا يعبد الطريق للسلام

إميل أمين –

من بين التطورات المثيرة كذلك كان الاعتراف الأمريكي بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية المحتلة ، وهو كذلك إجراء يغذي روح الشقاق والافتراق بين العرب والإسرائيليين ، سيما وان الذي يعترف لا حق له في الاعتراف ، كما أن الوضع القانوني للمعترف به منحول وغير حقيقي. في هذا الإطار المضطرب ، وبحسب التسريبات الواردة من الولايات المتحدة الأمريكية، فإنه من المتوقع أن يتم الإعلان عما يسمى صفقة القرن الأمريكية بعد الانتخابات العامة في إسرائيل، تلك الصفقة التي يتطلع من خلالها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن يكتب اسمه في سجل القياصرة الأمريكيين.
قبل نحو أسبوعين وفي مستهل اجتماع الحكومة الإسرائيلية الأسبوعي، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو يجدد تعهده بضم منطقتي الأغوار الفلسطينية وشمال البحر الميت المحتلتين إلى إسرائيل فور تشكيل حكومته المقبلة.
وقبل يومين من الانتخابات العامة الأخيرة كانت حكومته تعترف بمستوطنة عشوائبة في الضفة الغربية، ومضيفا في الجلسة عينها أن حجر الأساس في سياسته هو الشروع في ضم المستوطنات في الضفة الغربية، ومناطق ليس فيها مستوطنات، حسب تعبيره.
ماذا عن خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي في هذا الخصوص ؟
باختصار غير مخل، إنها خطة تقوم على التوسع الاستيطاني، من دون إقامة اعتبار لأي عوامل قانونية أو أخلاقية، ويفاخر بإقامة مستوطنات جديدة، وان شئت الدقة اللفظية قل مستعمرات وليس مستوطنات، ويتطلع إلى فرض السيادة الإسرائيلية من خلال قوله إن الجيش الإسرائيلي سوف يبقى هنا وإلى الأبد، لتكون إسرائيل ذات عمق وتفوق استراتيجيين ».
راهن نتانياهو على فوزه الكاسح في الانتخابات العامة في إسرائيل، وتعهد بأنه سوف يشرع في تنفيذ قرار ضم غور الأردن بعد الانتخابات، وقبل إعلان الرئيس ترامب المتوقع لخطته المعروفة باسم « صفقة القرن ».
ما تقدم ربما هو المدخل للقصة الأهم والأكبر، ولا نغالي إن قلنا الأخطر في ذات الوقت، لقصة نتانياهو والأبعاد السياسية لتصريحاته، وما الذي يهدف إليه في المدى المنظور؟، عطفا على ارتدادات مثل هذه التصريحات على أي الرؤى التي تنشد السلام في المنطقة، وهل كانت تلك التصريحات موجهة لقطاع إسرائيلي بعينه، راهن عليه نتانياهو للفوز برئاسة الوزارة؟، والعديد من الأسئلة الأخرى.
يمكن القطع بداية أن كل الأراضي التي يتطلع نتانياهو إلى ضمها بالقوة القسرية للأراضي الإسرائيلية إنما هي أراض محتلة وواقعة بحكم القانون الدولي تحت سلطة الاحتلال، وعليه فإنه لا يمكن للمحتل أن يغير من طبيعتها الجغرافية أو الديموغرافية بحال من الأحوال.
ما نقول به هو في واقع الأمر يعبر عن المضمون نفسه لتصريحات « ستيفان دوياريك »، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة والذي أشار إلى أن :« الإجراءات الأحادية الجانب لا تساعد عملية السلام، ومضيفا أن موقفنا لم يتغير وينعكس في قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وأن أي قرار إسرائيلي بفرض قوانينها وولايتها وإداراتها في الضفة الغربية المحتلة سيكون مدمرا لاحتمال إحياء المفاوضات والسلام الإقليمي وجوهر حل الدولتين». والشاهد أن المسطح المتاح للمقال ربما يضيق عن ذكر كافة ردات الفعل الأوروبية والدولية تجاه تصريحات نتانياهو، وجميعها اتفقت على انه لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون هناك سلام في المنطقة، أو إنهاء للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، في ظل مثل هذه التوجهات، التي تهدم أي أساس للثقة بين الجانبين، بل إنها تقوض أية أسس كانت قد انطلقت عليها من قبل.
ومن نافلة القول أيضا أن المواقف العربية كان لابد لها من الإجماع على قلب واحد رافض لفكرة الهيمنة الإسرائيلية وفرض الأمر الواقع بالقوة الجبرية على هذا النحو، الأمر الذي عبر عنه الأمين العام للأمم المتحدة احمد أبو الغيط، حين أشار إلى أن وزراء الخارجية العرب جميعهم قد نددوا بخطة رئيس الوزراء الإسرائيلي، واعتبروا المشهد بمثابة انتهاك للقانون الدولي ولقرارات الأمم المتحدة، كما أن مجلس وزراء الخارجية العرب اعتبروا هذه التصريحات بمثابة تقويض مباشر لفرص إحراز أي تقدم على صعيد عملية السلام، بل نسف كامل لها من أساساتها.
كارثة تصريحات نتانياهو التي تجلت في التو واللحظة عقب إعلانه هذا تمثلت في حقيقة الأمر في ردات الفعل لدى السلطة الفلسطينية، تلك التي عانت ولا تزال من عنت الإرادة الإسرائيلية وإداراتها المتعاقبة، ما يجعل من تسويف الوقت هو الديدن والعرف الإسرائيليان المستمران والمستقران، فقد اعتبر الرئيس الفلسطيني محمود عباس في بيان له أن « جميع الاتفاقات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي، وما ترتب عليها من التزامات تكون قد انتهت، إذا نفذ الجانب الإسرائيلي فرض السيادة الإسرائيلية على غور الأردن وشمال البحر الميت وأي جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 « هل يمكن اعتبار تصريح نتانياهو زلزالا سياسيا مخيفا يؤدي إلى انهيار كافة محاولات البناء السابقة، ويقوض كل جهود أصحاب النوايا الحسنة في العالمين العربي والإسلامي، إضافة إلى الوساطات الدولية، من اجل التوصل إلى اتفاق سلام، يفتح الطريق للعيش الآمن والمستقر للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي بداية، ولشعوب الشرق الأوسط عربية وإسلامية ويهودية تاليا ؟
يخشى المرء أن يكون كذلك قولا وفعلا، سيما وأن التصريحات تعكس مغازلة غير نافعة بحال من الأحوال لتيار خطير يمكن أن يؤدي بالمنطقة ومن جديد إلى صراع الأصوليات أو الدوغمائيات الضار بل والقاتل… ماذا نعني بذلك ؟
قبل الجواب مباشرة، دعونا نذكر بأن هناك عدة إجراءات جرت بها المقادير على المنطقة وبالتحديد في فلسطين، وجزء آخر من الأراضي العربية المحتلة، في محاولة لتغيير الأوضاع وتبديل الطباع مرة وإلى الأبد.
نحن هنا بالطبع نتحدث عن الاعتراف الأمريكي بالقدس المحتلة عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل، وتاليا نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، الأمر الذي ينافي ويجافي كافة الشرائع والقوانين الدولية، تلك التي تعتبر القدس الشرقية مدينة تحت الاحتلال الإسرائيلي، وهي المدينة التي يطالب الشعب الفلسطيني بأن تكون عاصمة لدولته المستقلة، ناهيك عن كونها مدينة ذات طابع مقدس للمسلمين والمسيحيين العرب على حد سواء، وبالتالي تضحى مسألة فرض السلطة عليها بالقوة المسلحة أمرا غير مقبول في الحال أو الاستقبال.
من بين التطورات المثيرة كذلك كان الاعتراف الأمريكي بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية المحتلة، وهو كذلك إجراء يغذي روح الشقاق والافتراق بين العرب والإسرائيليين، سيما وأن الذي يعترف لا حق له في الاعتراف، كما أن الوضع القانوني للمعترف به منحول وغير حقيقي. في هذا الإطار المضطرب، وبحسب التسريبات الواردة من الولايات المتحدة الأمريكية، فإنه من المتوقع أن يتم الإعلان عما يسمى صفقة القرن الأمريكية بعد الانتخابات العامة في إسرائيل، تلك الصفقة التي يتطلع من خلالها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن يكتب اسمه في سجل القياصرة الأمريكيين.
كانت التوقعات أن تأتي الأخبار من الغرب، لكن هذه المرة جاءتنا من الشرق… كيف وما معنى ذلك؟
في أول ردة فعل له على إعلان نتانياهو تحدث افيغدور ليبرمان، وزير الدفاع الإسرائيلي السابق بالقول إن إعلان نتانياهو ليس إلا صفقة بينه وبين اليمين الإسرائيلي المتطرف والمتمثل في الجناح اليهودي المتطرف، بل والأشد تطرفا، والمتمثل في اليهود الارثوذكس ومن لف لفهم، وجل المراد من هذه الصفقة أن يحصل نتانياهو على أكبر قدر ممكن من أصوات اليمين المتشدد في الانتخابات، ولكن عليه لاحقا أن يفي بوعد خطير يقطعه على نفسه ويتمثل في انه سيقوم بإعطائهم دولة تتسق والأحكام التلمودية التي يؤمن بها هؤلاء، وهي أحكام ترى غير اليهود « جوييم »، أو أغيار، بمعنى أن أرواحهم أقل قدرا وقيمة من أرواح اليهود، وعلى الرغم أن هناك أصواتا إسرائيلية ترفض مثل هذا التوجه، إلا أن الأولين باتت أصواتهم أعلى في الوقت الراهن.
هل نحن أمام بعد سياسي كارثي في المنطقة من جراء صفقة الأصوليات القاتلة التي يمكن أن نشهدها يوما قريبا لو فاز نتانياهو في الانتخابات؟
المؤكد أن المتابع للمشهد السياسي في الداخل الإسرائيلي يدرك أن اليمين قد اكتسب زخما قويا وشديدا في الأعوام الأخيرة، وان جزءا من الصعود السريع لم يكن سوى رجع صدى لا يتلكأ ولا يتأخر لما يجري من نمو للشعبويات اليمينية سواء في أوروبا، وان كانت النزعة هناك علمانية أو مدنية الطابع، أو في الولايات المتحدة الأمريكية، وهذه تمثل الخطورة الكبيرة لأنها تؤمن بالدوغمائيات، وتعود بنا إلى مربع ما يعرف بعلم « الاسكاتولوجيا»، أي ما يوازي إسلاميا علم قيام الساعة، حيث الإيمان المطلق بأن دولة إسرائيل لابد لها أن تقوم قبل نهاية الأزمنة على النحو الذي نراه حاليا.
ولعل الأمر المزعج الذي يدركه نتانياهو- وان كان لا يتحسب لتبعاته القاتلة -هو أن أصوات هذا اليمين اليوم تمضي في طريق يأخذ الدولة الإسرائيلية في اتجاه مماثل إلى حد التطابق لما تنادي به الأصوات الأصولية الراديكالية في المنطقة، من العودة إلى حكم الدين والرجوع إلى الشرائع الدينية عوضا عن القوانين الوضعية.
والمثال الذي نقول به هنا هو جماعة « لهفاه » الإسرائيلية، تلك التي تطالب بأن تكون إسرائيل دولة لعرق واحد ودين ومعتقد واحد، هو اليهودية، وانه لا مكان على أراضيها إلا لكل من يؤمن بالرؤى والأفكار التوراتية، بل إلى أبعد من ذلك إذ تطالب بأن تلغي الدولة القوانين المدنية التي يصفونها بالعلمانية، وأن يتم استخدام قوانين الشريعة التوراتية عوضا عنها…
السؤال المهم قبل الانصراف وفي ضوء نتائج الانتخابات الأولية وقت كتابة هذه السطور :« هل أفاد إعلان نتانياهو الخاص باقتطاع أراض جديدة في تعزيز موقفه في الانتخابات، وهل حصل على غالبية مطلقة من الأصوات تمكنه من تشكيل حكومة بشكل منفرد، ومن دون التعاون مع بقية الأطراف الإسرائيلية ؟
لم يحدث أبدا ما كان يسعى إليه، فقد حصل حزب الليكود الذي يتزعمه على 32 مقعدا، وحصل تحالف « ابيض ازرق» الذي يترأسه منافسه رئيس الأركان الإسرائيلي السابق « بيني غانتيس » على 32 مقعدا مماثلا.. ماذا يعني ذلك ؟
يعني باختصار غير مخل أن الرهان على الأصوليات لا يفيد، وان السلام هو الحل الوحيد للبناء عليه، وما عدا ذلك مناورات لا تنفع ولا تشفع اليوم ولا الغد.