حدود خريطة نتانياهو.. ماذا تبقى لفلسطين؟

رشا عبد الوهاب –

منذ النكبة الفلسطينية عام 1948، ويحلم الساسة الإسرائيليون بتحقيق ما يسمونه بنبوءة «أرض إسرائيل» أو «إسرائيل الكبرى» أو «الأرض الموعودة».. وغيرها من المسميات، وتشمل هذه الأرض، حسب تفسيراتهم، الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان. وبعد نكسة 1967، بدأت إسرائيل في تنفيذ خطة أو مشروع وضعه يغئال ألون رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، حيث خطط لضم غور الأردن «الأغوار» والمنحدرات الشرقية من سلسلة تلال الضفة والقدس الشرقية وكتلة مستوطنة «جوش عتصيون» إلى إسرائيل، وتأسيس دولة دزية في الجولان المحتل، وتأسيس حكم ذاتي لباقي الضفة أو إعادتها إلى الأردن، وهو ما رفضه الملك حسين ملك الأردن في حينه.
وفي السياسات الإسرائيلية، يعتبر ضم الأراضي اتجاه الشعبية بين الإسرائيليين، حيث أعلن الساسة طويلا رغبتهم في ضم الغور الذي يمتد على مساحة 2400 كيلومتر لإحكام السيطرة على الحدود الدولية أو بمعنى أصح خلق حدود لدولة إسرائيلية، سواء تم الاعتراف بها أم لا. وحاول الساسة اللاحقون مغازلة الناخبين خصوصا المتدينين أو من اليمين المتطرف عبر الحديث عن تحقيق الوعد، إلا أنه في ظل حكم بنيامين نتانياهو- أطول رؤساء وزراء إسرائيل حكما منذ بن جوريون- فاقت الوعود مرحلة الكلام إلى الفعل. فقد نجح في الحصول على الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل، واعتراف بشرعية احتلال هضبة الجولان السورية. نتانياهو أكد في كتابه «مكان بين الدول»، الصادر عام 1995، أن هناك خطة لمنح الفلسطينيين حكما ذاتيا محدودا في أربع دول، وخلال الفترة الأولى لرئاسته للحكومة الإسرائيلية، قدم نتانياهو رؤيته لنفس الخطة إلى الرئيس الأمريكي وقتها بيل كلينتون، حيث ذكرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية أن «وحدة التخطيط في الجيش الإسرائيلي قدمت خريطة سرية للرئيس كلينتون توضح المصالح الأمنية لإسرائيل في الضفة، ولم يجب الرئيس الأمريكي سوى بأنها مثيرة للاهتمام».
وخلال الانتخابات الإسرائيلية التي جرت منذ أيام، واصل نتانياهو وعوده بخريطة جديدة لإسرائيل، رسم فيها حدودا جديدة لما سماه «دولة إسرائيل» حيث يتم ضم غور الأردن، التي يمثل حائطا دفاعيا، حسب تعبيره. وعلى الرغم من أن نتائج الانتخابات الثانية ما زالت غير واضحة المعالم، فأيا من كان سيجلس على مقعد الحكومة الإسرائيلية، فإنه سينفذ وعد نتانياهو. وخلال الحملات الانتخابية المكثفة لنتانياهو، والإعلام الذي صاحبها، وحديثه الدائم عن «صديقه العزيز ترامب»، تعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بضم غور الأردن. هذه الضم لن يضر بإسرائيل فقط، بل سيخلق فوضى في الأردن وانتكاسة دبلوماسية غير مسبوقة للقضية الفلسطينية ويجعل الفلسطينيين في حالة شتات، بل سيجعل المنطقة برمتها على حافة عنف غير مسبوق وحرب جديدة، قد تنضم إليها الولايات المتحدة ضد الفلسطينيين خصوصا بعد الإعلان عن الوثيقة الأمنية بين واشنطن وتل أبيب، التي تحتاج إلى مصادقة الكونجرس. فنتانياهو يريد ضم الأغوار لإعادة رسم الحدود الإسرائيلية عبر ضمان حدود آمنة في الشرق على حدود الأردن. وخلال 52 عاما، سيطرت إسرائيل على الضفة الغربية، ووسعت من وجودها في المنطقة، عبر بناء بنى تحتية حساسة للأمن والنقل والسيطرة على المستوطنات اليهودية في المنطقة «سي». ومن هنا، فإن خطة ضم الضفة الغربية إلى إسرائيل ليست جديدة، ولكنها تتم على مراحل، ففي الانتخابات العامة السابقة في إسرائيل، التي جرت في أبريل الماضي، تعهد نتانياهو بضم كل المستوطنات في الضفة الغربية إلى إسرائيل.
ومؤخرا، اقترح نتانياهو فكرة ضم غور الأردن وشمال البحر الميت قبل انتخابات سبتمبر حتى يتم البت في هذا القرار من قبل النائب العام الإسرائيلي، الذي من جانبه أعطى الضوء الأخضر لذلك، على الرغم من ملاحقته رئيس الوزراء الإسرائيلي باتهامات فساد. ويهدف وعد نتانياهو في جزء منه إلى «مقايضة» أحزاب اليمين المتطرف لضمان الموافقة على قانون يمنحه حصانة من الملاحقة القضائية بسبب بالفساد.
وفي الوقت الذي قد يساعد هذا الوعد في حل مشكلات نتانياهو القضائية، إلا أن ضم أي جزء من الضفة الغربية سيكون له تأثيراته على الأمن الإسرائيلي، كما أنه قرار تم اعتباره لعشرات السنين سيناريو «نهاية اللعبة» لطموحات الفلسطينيين في قيام دولتهم، خصوصا أن مصير العائلات الفلسطينية في هذه المنطقة على المحك، ففي 2009، كان يعيش حوالي 58 ألف فلسطيني في غور الأردن حول مدينة أريحا جنوب الغور، منهم 10 آلاف في المنطقة «سي» التي تسيطر عليها إسرائيل. زعيم الليكود يريد السيطرة على حوالي ثلث أو 30% من الضفة الغربية، ويرى أن هذه الخطوة سوف تباركها وتدعمها إدارة الرئيس الأمريكي، قائلا إنه ينتظر «أقصى تنسيق» مع الرئيس الجمهوري. ووقف رئيس الوزراء الإسرائيلي أمام خريطة كبيرة على حامل من القماش تظهر امتداد السيادة الإسرائيلية على مساحة واسعة من غور الأردن. وتظهر الخريطة أن إسرائيل تطوق بالكامل الضفة الغربية، في إشارة إلى الضفة باسمها التوراتي. بل وصل الأمر إلى أن نتانياهو عقد أول اجتماع استثنائي لحكومته في الأغوار، وأعلن تحويل مستوطنة «ميفوت يريحو» في الأغوار إلى مستوطنة رسمية. وبمجرد عقد هذه الاجتماع، توالت ردود الفعل الفلسطينية والعربية والدولية ضد الاستفزاز الإسرائيلي، فقد هدد الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن جميع الاتفاقيات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي، وما ترتب عليها من التزامات، ستكون بحكم المنتهية، ولوح باستخدام الوسائل المتاحة للدفاع عن حقوق شعبه. بينما قررت حكومة محمد أشتية رئيس الوزراء الفلسطيني اجتماعها في غور الأردن، في تحد لاستفزازات نتانياهو، قائلا إنه سيتم العمل على «أن تكون منطقة الأغوار الفلسطينية بالمجمل العام حديقة فواكه وخضار فلسطين»، وهدد بأن الفلسطينيين لن يميزوا بين المناطق «ألف وباء وجيم» أو «إيه وبي وسي»، كما تسميها إسرائيل. وتستمد منطقة الأغوار أهيمتها الاستراتيجية على المستويين الأمني والاقتصادي نظرا لوفرة المياه فيها وانتشار الزراعة إلى جانب كونها منطقة حدودية. ويبلغ طول الوادي 105 كيلومترات وعرضه 10 كيلومترات، ويضيق في أضيق مناطقه إلى 4 كيلومترات قبل أن يتسع مرة أخرى ويصل عرضه إلى 20 كيلومترا عند وصوله إلى البحر الميت. أما الأهمية السياسية، فتتمثل في أنها تنفيذ بالقوة لحلم إسرائيل، وكما زعم نتانياهو فإن ضم الأغوار بمثابة تنفيذ لخطة السلام الأمريكية، المعروفة إعلاميا باسم «صفقة القرن»، التي أعلنت واشنطن أنه سيتم الكشف عن تفاصيلها بعد تولي رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد. ووصف أيمن عودة، زعيم تحالف أحزاب «القائمة المشتركة» من عرب 48، التي جاءت في المركز الثالث في انتخابات الكنيست، خطة نتانياهو بأنها استراتيجية للأرباتهايد، وأن إسرائيل ستكون امتدادا للضفة الغربية حيث يحكم أقلية من الإسرائيليين الأغلبية من الفلسطينيين. ويرى الفلسطينيون أن هذه الخطة تعني حصار الضفة مثل ما حدث مع قطاع غزة. وبالإضافة إلى أنه في حال تنفيذ هذه الخطة، فإنه سيكون بمثابة «وأد» لحلم الدولة الفلسطينية، فقد أكدت جماعة «السلام الآن» الإسرائيلية أن خريطة نتانياهو تشبه صيغة «بانتوستان» في جنوب إفريقيا خلال الحكم العنصري. هذه الخريطة ليست اعتباطية بل بداية لضم الضفة بشكل كامل، وترك ملايين الفلسطينيين بلا حقوق من أي نوع، وهو ما يهدد باندلاع مقاومة فلسطينية ومزيد من العدوان الإسرائيلي. والمشكلة الثانية التي ستقع فيها إسرائيل ستكون مع الأردن، حيث نظمت معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية التي تم التوصل إليها عام 1994 حدود الغور حيث تقع الأردن في الشرق وفي الغرب إسرائيل والضفة الغربية.
واعتبرت الأردن تصريحات نتانياهو بمثابة نسف للأسس التي تقوم عليها العملية السلمية، ودفع للمنطقة برمتها نحو العنف وتأجيج الصراع، حسبما جاء على لسان وزير الخارجية وشؤون المغتربين الأردني أيمن الصفدي.
ودفعت استفزازات إسرائيل السعودية إلى عقد اجتماع طارئ في جدة، تمخض عن الرفض المطلق لإعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي، وإجماع الدول العربية على مركزية القضية الفلسطينية والقدس للأمة الإسلامية، معتبرا هذه التصعيد الخطير اعتداء على الحقوق التاريخية والقانونية للشعب الفلسطيني وانتهاكا صارخا لميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.