فاروشا القبرصية «لؤلؤة» مهجورة لا تزال كابوسا لسكانها الأصليين

فاماجوستا (قبرص)- (أ ف ب) : أسلاك شائكة فقط على شاطئ في قبرص تفصل بافلوس ياكوفو عن الفندق الذي يملكه بدون أن يتمكن من زيارته منذ عقود، لكن قد يتغيّر ذلك بعد قرار مفاجئ لأنقرة بإعادة فتح مدينة فاروشا.
لُقّب منتجع فاروشا السياحي في جنوب شرق الجزيرة في الماضي «لؤلؤة» قبرص بفضل مياه البحر الصافية التي يطل عليها وانتشار الملاهي الليلية.
وتحوّلت المنطقة في الماضي وجهة مفضّلة في المتوسط لنجوم هوليوود على غرار صوفيا لورين وبريجيت باردو. وكانت تضم نحو 50 فندقًا توفر 10 آلاف سرير. لكن منذ عام 1974، أصبحت فاروشا تدريجيًا مدينة أشباح مهجورة بعدما أغلقها الجنود الأتراك.والآن، أعلنت تركيا و «جمهورية شمال قبرص التركية» عن إمكان إعادة فتح المنتجع.
وبينما يخشى كثيرون من القبارصة اليونانيين على غرار ياكوفو وزوجته تولا هذا السيناريو، إلا أنهم يرون في الوقت ذاته أنه يتيح لهم فرصة للاقتراب من المنطقة.
وقال ياكوفو الذي كان يبلغ من العمر 19 عامًا عندما هرب من الفندق الذي بناه أجداده: «لا أرغب بأن أكون هنا وأتفرّج على فندقي من بعيد. أريد أن أجلس على شرفته وأحتسي عصير الليمون وأنسى هذا الكابوس».
وتعهّد وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو في وقت سابق هذا الشهر بإعادة فتح فاروشا، بعد أسبوعين من تنظيم سلطات قبرص التركية جولة غير مسبوقة للصحافيين في المنتجع منذ الاجتياح التركي لشمال قبرص صيف عام 1974.
وجاء الغزو ردًا على انقلاب نفّذه قوميون قبارصة يونانيون بهدف ضم قبرص إلى اليونان. وفي عام 1983، أعلن شطر قبرص الشمالي الاستقلال في خطوة لم تعترف بها إلا أنقرة في حين لا يزال المجتمع الدولي يعترف بالحكومة في نيقوسيا على أنها السلطة الوحيدة في الجزيرة.
«كارثة»

ودعا مجلس الأمن الدولي في عدة قرارات إلى أن تدير الأمم المتحدة فاروشا والى عودة سكانها الأصليين. وأمرت محكمة حقوق الإنسان الأوروبية تركيا بدفع تعويضات لسكان المدينة السابقين الذين انتُزعت أملاكهم.
وقال خبير الاقتصاد القبرصي كوستا أبوستوليدس: «في المجمل، قد تشكّل فاروشا تعويضات بقيمة أكثر من خمسة مليارات يورو». وأضاف مشيرًا إلى اقتصاد تركيا الذي يعاني مشكلات عدة أن «هذا مبلغ كبير بالنسبة للأتراك».
ولتجنّب تقديم التعويضات، قد تعيد تركيا الممتلكات في فاروشا إلى السكان السابقين الذين لا يزالون على قيد الحياة.
لكن أبوستوليدس يتوقع أن تقوم تركيا بتسليمها لـ«جمهورية شمال قبرص التركية»، ما يسمح لها بالاحتفاظ بسيطرتها الفعلية عليها.
وأوضح أبوستوليدس أنه «إذا تحوّلت فاروشا مجددًا منتجعا جميلا على الشاطئ، فسيشكّل ذلك محرّكًا اقتصاديًا مهمًا بالنسبة لجمهورية شمال قبرص التركية». وأضاف: «لن تتخلى جمهورية شمال قبرص التركية عن فاروشا بهذه السهولة».
وسيكون ذلك بمثابة كارثة بالنسبة لياكوفو الذي تساءل «أي مصرف سيمنحني قرضًا للاستثمار في إعادة إعمار فندقي في منطقة محتلة؟».
وقبل التمكن من البدء بأي عمليات إعادة إعمار، سيتعيّن توثيق الممتلكات في فاروشا، وهي عملية قد تؤدي إلى نزاعات جديدة محتملة.وفُقد أرشيف صكوك الملكية خلال الغزو التركي، بحسب المهندس المعماري القبرصي اليوناني أندرياس لوردوس.
وأضاف لوردوس الذي تملك عائلته ستة فنادق في المدينة «ستكون إعادة إعمار فاروشا عملية مرهقة» إذ «لا مياه أو كهرباء والعديد من الجدران على وشك الانهيار».
ولفت استاذ العلوم السياسية في جامعة شرق المتوسط في نيقوسيا أحمد سوزن إلى أن تركيا حرّكت هذا الملف بعد تجميده لأربعة عقود. وقال: «على مدى 45 عامًا، يطالب القبارصة اليونانيون بالمستحيل: إنهاء الوجود التركي في الجزيرة. تقول تركيا لهم الآن: عليكم التفاوض وإلا فسنفتح فاروشا بشروطنا».
ومع توقف محادثات السلام برعاية الأمم المتحدة، يرى سوزين أن التركيز المفاجئ على فاروشا هو بمثابة خطوة «انتقامية» من تركيا للرد على الخلاف بشأن موارد الطاقة في البحر التي تعمل نيقوسيا على تطويرها.
وبموجب اقتراح من «وزير خارجية» قبرص التركية قدرت أوزرساي، ستجري عملية إعادة الإعمار على مراحل، انطلاقًا من القسم الأقرب من فاماغوستا وهي مدينة تضم ميناء وكانت فاروشا تابعة لها قبل تطويقها.

«العودة»

يأمل أصحاب الأملاك في فاروشا من القبارصة اليونانيين بأن تتّخذ نيقوسيا، التي تطالب إما بإعادة فاروشا واما بتسليمها للأمم المتحدة لإدارتها، موقفًا صلبا.
وقال لوردوس: «نحتاج من حكومة (قبرص اليونانية) إلى التخلي عن سلبيتها وإيجاد تسوية. لا يمكننا مواصلة المقامرة وإلا فسنخسر كل شيء».
ويأمل بأن يتم إعادة تطوير فاروشا كمنتجع صديق للبيئة نظراً إلى أنها بقيت بعيدة من أي نشاط بشري منذ عام 1974.
وعلى بعد 14 كم فقط جنوب فاروشا في الشطر القبرصي اليوناني، يستقبل منتجع أيا نابا ملايين السيّاح كل عام، ما يلحق الضرر بالحياة النباتية والحيوانية هناك.
وتؤكد مخرجة الأفلام الوثائقية فاسيا ماكريدس أن «تاريخ فاروشا مأسوي، لكن قد يسمح لنا ذلك بتجنّب أخطاء العقود الماضية».
وبصفتها رئيسة «مشروع مدينة فاماغوستا البيئية» وابنة منفي من فاروشا، تضغط ماكريدس من أجل تحويل فاروشا مدينة خضراء.
من جهة أخرى، يخشى بافولا وزوجته تولا من تبخّر حلم العودة بعد 45 عامًا من المغادرة. وتقول تولا «كل شيء يتم بشكل سريع. يطلبون منّا البيع واتّخاذ قرار لكنني أحتاج إلى الوقت. أريد أن أعود إلى منزلي وأتلمّس جدرانه واهتف في الشوارع بأسماء جيراني الذين لم يعودوا».