جمال الأبعاد التصويرية في انطباعات فهد المعمري للطبيعة العمانية بالألوان المائية

قراءة – سماح بنت سعيد النعمانية –

بدأ الفنان فهد المعمري الرسم الواقعي في جو عاطفي وترجم حبه للطبيعة العمانية بألوانٍ مائية، حيث تشكل الطبيعة العٌمانية محتوى جمالياً ومصدر إلهام لموضوعاته، والمميز في تجربته أنه يلفت الانتباه إلى مشاهد الطبيعة العمانية بأعماله الواقعية التي تعكس مشاعره تجاه تلك المشاهد. ويلاحظ المتأمل لأعماله حسن اختياره للموضوعات المعبأة بسحر الطبيعة وجمالها الأخَّاذ. وهذا الذي يٌكسب أعماله -في نظري- رؤى جديدة تضفي عليها موهبته صفاتٍ لونية حسية نابضة بالحياة ومفعمة بالجمال.
ويمكنني الإشارة هنا إلى لوحته «قرية يقا» كنموذج بديع من نماذج استخدامه للألوان المائية بصورة عكست قدرته على الرسم بهذا النوع من الألوان التي تمثل صعوبة للكثيرين من الفنانين في مجال الفن التشكيلي. تظهر هذه اللوحة (80×60 سم) جمالا فطريا وعمقا في الشعور من خلال عناصر شكلية متنوعة بين صخور وماء، وبرع في إبراز المشهد بشيء من الأضواء والظلال، وإظهار الضوء الساقط على الصخور المتباينة في الأحجام والأشكال مما أكسب المشهد حيوية تستثير انفعال المشاهد.
اهتم المعمري بتصوير العناصر الشكلية بشكل عام والدخول إلى التفاصيل الدقيقة مختلفة فقدم منظراً تجسد فيه طول وأبعاد الصخور وتجاويفها المبهرة التي نحتت بواسطة المياه الجارية فبرزت هي والكائنات من حولها بجمال ناطق.
كما لاحظت في عمله أنه ينطلق من نقطة ارتكاز بخطوط موزعة بدرجة ٣٦٠، بين أفقية وأخرى مائلة بزوايا، وتغلب على العمل الخطوط الحرة التي توحي بالحرية والحركة، واستند على خط رؤية واضح قام الفنان بترتيب الصخور داخل المشهد مما خلق اتجاها ضمنيا يحرك عين المشاهد في اتجاه مقصود في العمل، وتظهر الدرجات اللونية بشكل منسجم من الألوان الباردة مبتعداً عن الألوان الساخنة، وركز على المنظور الخطي الذي يؤدي إلى الإحساس بالعمق. واتخذ الضوء كعنصر فني مهم في تشكيل لوحته، حيث شكلت ضربات الفرشاة لديه سقوط الضوء على الأشكال أو انعكاس لظل الأشكال على مسطح العمل، فنرى الظلال تتوزع في مساحات متنوعة على الصخور وكذلك تتأكد من خلال الضوء الساقط عليها دون الحاجة إلى وجود لون بطابع حيوي.
ويظهر استخدام الفنان عدة تقنيات مائية في العمل الفني منها الرطب على رطب وغالباً ما يظهر في خلفية العمل الفني، وهذا أعطى العمل متنفساً آخر وكسر من حدة الصخور وصلابتها الفذة، وتقنية الجاف مع الرطب، والجاف على الجاف في تجسيد الصخور والمياه والانعكاسات البسيطة ولاسيما اختلاف درجات وألوان الصخور تساعد كثيرا في تجانس العمل وخلق روح الديمومة وعدم تكرار المفردة بألوانها لتعطي تجانسا وتناغما لأبعاد تخدم العمل الفني.
نجح الفنان في بناء تكوين لمنظر من قرية يقاء يتسم بالتوازن والوحدة والانسجام بين عناصره بحيث أصبح العمل الفني مستقراً ومريحا لعين المشاهد، وأطّره بعمل تأثيرات ضبابية للسماء، وحملت في طياتها شيئا من الغموض والقصص المخفية التي تكمن وراء جماليات نتوء الصخر في الماء الجاري أسفله ، مما جعل الفنان يخلق تأثيرا متوازنا ومنسجما من حيث الموضوع والمعالجة اللونية والملمسية للأشكال، فتنوعت الدرجات اللونية ما بين الأخضر المعتدل، والأخضر المزرق، والبنفسجي المزرق والبنفسجي، ليوحي للمشاهد الشعور بالهدوء والسكينة للمنظر وسلاسة ونعومة جريان الماء في مقدمة اللوحة، والتي يقابلها الخشونة إِثر عوامل التعرية للصخر الذي يسببه جريان الماء، مما يثير التنوع البصري المؤدي إلى معنى عميق بداخله يشير إلى مُضي الزمن عليه ليحكي لنا قصة الزمان الذي نحت فيها الماء الصخر، وتلك الأسرار التي خلفها وترك أثرها عليه. غير أن تلك التجاويف الصخرية كان لها عالم آخر مختلف في عين الفنان، أبرزتها الأضواء الساقطة عليها والظلال المنعكسة منها، فأظهرت مواطن من الجمال الساحر الذي تفنن المعمري في إبرازها من خلال إمكانيات تقنياته وأساليبه في التلوين بالألوان المائية .
في اعتقادي أن المعمري حاول أن يقوم بتوصيل حس الألوان المائية وجمال شفافيتها ويظهر ذلك من خلال التكوين الذي قدمه لنا وطريقة استخدامه للضوء كمصدر قوة للعمل الفني. وإحساسه بالمكان والمنظر الذي يشاهده، وتسجيله للمشهد في فترة النهار تحت ضوء الشمس وطريقة اختياره للمجموعة اللونية الباردة التي استخدمها، وإعادة صياغته للمنظر الواقعي تبعاً للنغمات اللونية والخطية التي برزت من خلال العلاقة المتباينة بين الأضواء والظلال بالألوان المائية، مما حقق له نجاحا في تصوير المنظر الذي رسمه انطباعه كبعد تصويري بكل براعة وإتقان.