الاتحاد الجمركي الخليجي يرفع حجم التبادل التجاري ويزيل الحواجز بين أسواق دول المجلس

حقق إنجازات عديدة على المستويين الإقليمي والدولي –

كتبت ـ شمسة الريامية –

أدركت دول مجلس التعاون الخليجي في وقت مبكر أهمية تكوين قوة اقتصادية مشتركة بينهم لما له من دور في زيادة التبادل التجاري، ورفع الكفاءة الإنتاجية، وتخفيض الأسعار، وزيادة رقعة السوق وكفاءتها. ولذلك فقد قامت دول المجلس منذ انطلاقه في 1981 باتخاذ مجموعة من الإجراءات القانونية والعملية اللازمة لإنشاء تجمع اقتصادي على شكل «منطقة التجارة الحرة» عن طريق توقيع الاتفاقية الاقتصادية الموحدة في التاريخ ذاته، وتم تفعيل تلك الاتفاقية في مارس 1983.
وبموجب هذه الاتفاقية فقد أعفيت جميع منتجات دول مجلس التعاون الخليجي (الصناعية، والزراعية والمنتجات الزراعية) من الرسوم الجمركية بشرط وجود شهادة منشأ من الجهة الحكومية المختصة في الدول المصدرة للبضاعة، والسماح باستيراد وتصدير المنتجات الوطنية من وإلى دول المجلس دون الحاجة إلى وكيل محلي، والتخليص الفوري للبضائع التي يحملها المسافرون بالمراكز الحدودية لدول المجلس.

واستمرت هذه الاتفاقية لمدة عشرين سنة حيث ارتفع حجم التبادل التجاري بين دول المجلس من اقل من 6 مليارات دولار إلى 15 مليار دولار في 2002، ومن بعد اتفاقية المنطقة الحرة اتخذت دول المجلس خطوات جيدة في تحقيق التعاون الخليجي من خلال تطبيق قانون موحد للجمارك في جميع دول المجلس في يناير 2003، حيث تم الاتفاق على وجود تعرفة جمركية موحدة بنسبة 5% على المنتجات الأجنبية الواردة من خارج الاتحاد الجمركي، فضلا عن إعفاء عدد من السلع الضرورية من الرسوم الجمركية التي تشكل حوالي 10% من مجموع السلع المستوردة.
ويهدف الاتحاد الجمركي الخليجي إلى إزالة القيود الجمركية بين الدول الأعضاء، وإعفاء تلك المنتجات من الرسوم الجمركية، بحيث يتم معاملتها كسلع وطنية، والعمل على تنسيق سياسات الاستيراد والتصدير، وإقامة قوة مشتركة للدخول في مفاوضات عديدة مثل تحرير التجارة مع الاتحاد الأوروبي أو غيرها من التكتلات الاقتصادية الأخرى. فضلا عن تعزيز التعاون بين دول المجلس من خلال مجموعة من السياسات والمشاريع لتحقيق الاستراتيجية الاقتصادية المشتركة من خلال اتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي.

ارتفاع حجم التجارة البينية

منذ قيام الاتحاد الجمركي في 2003 أصبحت جميع دول المجلس تحت مظلة جمركية واحدة، حيث يتم فرض رسوم أو ضرائب على السلع الأجنبية في أول نقطة عبور لها أي أحد المنافذ الجمركية لدول الأعضاء، بحيث تنتقل كافة هذه السلع بين دول المجلس بحرية تامة دول فرض رسوم جمركية مرة أخرى، ويتم توزيع حصة كل دولة من الضرائب الخاصة بالسلع الأجنبية من خلال آلية المقاصة أي أن دولة المحطة النهائية التي تستهلك فيها السلعة تحتفظ بالإيرادات الجمركية لها. وقد أدى هذا الأمر إلى ارتفاع حجم التجارة البينية لدول من مجلس التعاون من 6 مليارات دولار في عام 1984 إلى 110 مليارات دولار في 2012، ثم 124 مليار دولار في 2014. وحقق الاتحاد الجمركي الخليجي إنجازات عديدة على المستويين الإقليمي والدولي، فعلى المستوى الدولي استفادت جامعة الدول العربية من تجربة الاتحاد الجمركي لدول مجلس التعاون لوضع أسس الاتحاد الجمركي العربي، فقد قامت دول المجلس بتقديم المساعدات الفنية لاستكمال إنشاء الاتحاد الجمركي العربي، بل قدمت دول المجلس أيضا قانونها الجمركي الموحد وتعرفتها الجمركية كأساس لقيام الاتحاد الجمركي العربي. ودوليا، يتم التعامل مع دول المجلس كاتحاد جمركي في منظمة التجارة العالمية، إذ تشارك الأمانة العامة في لجان المنظمة المتعلقة بالتعرفـة الجمركيـة، وقواعد المنشـأ وأسس القيمة الجمـركية، ومكافحة التهريب، والغش التجاري، فضلا عن مشاركتها في اجتماع اللجان الخاصة بالاتفاقيات الدولية الجمركية مثل اتفاقية كيوتو وإسطنبول، واجتماعات مديري عموم الجمارك إقليميا ودوليا.

المرحلة الانتقالية للاتحاد الجمركي

وقد مر الاتحاد الجمركي في الفترة بين 2003 – 2015 بفترة انتقالية للاتفاق على بعض الجوانب كاستيراد الأدوية والمستحضرات الطبية والمواد الغذائية، واستمرار الحماية الجمركية لبعض السلع وحماية الوكيل في بعض دول الأعضاء.
وقد تم التوصل إلى الوضع النهائي للاتحاد الجمركي في الأول من يناير 2015، كما تم تطبيق آلية التحويل الآلي المباشر للرسوم الجمركية اعتبارا من 5 أبريل 2016، أي أثناء انتقال البضائع أو السلع يتم تحويل الرسوم بشكل مباشر وآلي دون الحاجة لإجراءات المقاصة.

آليات التطبيق

وتابع وزراء المالية والاقتصاد بدول المجلس آليات تطبيق الاتحاد الجمركي، ففي البداية اتفقوا على مفهوم الاتحاد الجمركي وهو المنطقة التي يتم فيها استبعاد الضرائب بين دول الاتحاد، وتطبق بموجبها رسوم جمركية للسلع أو البضائع المستوردة من الخارج. فضلا عن وجود تعرفة جمركية موحدة تجاه الدول الأخرى، وقانون جمركي موحد لدول المجلس، والعمل بنقطة الدخول الواحدة، أي السماح للبضائع المنتجة بدول المجلس التنقل بكامل حريتها بين الدول الأعضاء. وفيما يتعلق بالمنتجات الوطنية فإن سلطات الجمارك بدول المجلس لا تقوم بمطالبتها بشروط أكثر من تلك التي تطالب بها نظيرتها الأجنبية الأخرى من حيث شكل ونوع ودلالة المنشأ.
كما يتم تطبيق جميع الإجراءات الجمركية على السلع الأجنبية المستوردة، حيث تمر هذه السلع في منفذ واحد أي إحدى دول المجلس، ويتم فيه جميع الإجراءات المتعلقة بالتفتيش، والتأكد من خلوها من أية بضائع ممنوعة أو غير مستوفية للشروط، إضافة إلى استيفائها للرسوم الجمركية المفروضة عليها، بحيث يقوم المنفذ الأول الذي دخلت عن طريقه البضائع الأجنبية بتمرير كافة السلع إلى دول الأعضاء الآخرين. ولهذا الغرض تم إلغاء نقاط العبور المختلفة «الترانزيت» للبضائع المستوردة بين دول المجلس باعتبارها منطقة جمركية واحدة.
ولضمان تطبيق متطلبات الاتحاد الجمركي، تقوم فرق من الأمانة العامة بزيارات مستمرة للمنافذ الجمركية، كما يتم تبادل موظفين من إدارات المجلس بدول الأعضاء للعمل في المنافذ الجمركية المختلفة بدول أعضاء المجلس وذلك لتبادل الخبرات الجمركية بينها.
وبحسب متطلبات الاتحاد الجمركي فإن المراكز الجمركية الحدودية بين الدول الأعضاء تكون مهمتها مطابقة المستندات المرافقة لها للبضائع فقط، والتأكد من خلوها من البضائع الممنوعة، وفي حالة رغبة بعض الدول الأعضاء من استيراد بضائع ممنوعة، فإنه يكون استيرادها مباشرة للدولة المستوردة لها، أو عن طريق دولة من أحدى الدول الأعضاء تسمح بمرورها على أراضيها بحيث لا تمر على الدول التي تمنع استيرادها. أما بالنسبة لتحصيل رسوم البضائع الممنوعة فإنها تكون في حق الدولة التي تستوردها، ولا تدخل ضمن الحصيلة الجمركية للاتحاد الجمركي. كما تقوم الدول الأعضاء التي تستورد البضائع الممنوعة بتوحيد الرسوم والضرائب التي تستوفي عليها.
أما الإعفاءات الحكومية، والإعفاءات الخاصة، والإعفاءات الدبلوماسية فإنها محصورة على ما يتضمنه النظام الجمركي الموحد لدول المجلس الذي يقره المجلس الأعلى، ويلغى على أساسه أية إعفاءات أخرى ما يتم الاتفاق بشأنها بشكل جماعي. كما أنه في حالة مناقشة أو التفكير في عقد أي اتفاقيات ثنائية بين دول المجلس أن تأخذ في اعتبارها متطلبات الاتحاد الجمركي وأحكام الاتفاقية الاقتصادية.
وبحسب اتفاقية الاتحاد الجمركي الخليجي فإنه من الضروري توفر معلومات أساسية عن السجل التجاري في نقطة العبور الجمركية الموحدة لدى دول المجلس مع العالم الخارجي وذلك لأغراض الفسح الجمركي. فضلا عن عدم مطالبة المنتجات الوطنية بشهادة المطابقة عند تصديرها إلى الدول الأعضاء وبالتالي يتم الاكتفاء بتقديم تلك الشهادة على السلع الأجنبية.
اما فيما يتعلق بالمنشآت الصناعية فإنها تعفى بضاعتها المستوردة كالآلات والمعدات وقطع الغيار والمواد الخام الأولية ونصف المصنعة ومواد التعبئة من الرسوم أو الضرائب بحيث يقوم المنفذ الجمركي لأي دولة من الدول الأعضاء، والذي استوردت البضاعة عن طريقة بتسهيل دخولها. بينما تطبق إجراءات موحدة أثناء استيراد الأدوية والمستحضرات الطبية في نقطة العبور « الترانزيت»، بحيث تقوم اللجان المختصة كلجنة التسجيل الدوائي بوضع آليات موحدة للفسح الجمركي للأدوية والمستحضرات الطبية. أما بالنسبة للبضائع التي تصدر إلى أي من دول المجلس من المناطق والأسواق الحرة والمستودعات الجمركية العامة والخاصة فإنها تعامل معاملة أي بضاعة واردة من خارج دول الأعضاء، وإعطاء السلع سريعة التلف أولوية إنهاء إجراءات فسحها في المنافذ الجمركية بدول المجلس أو في أماكن تفريغها وعلى مدار الساعة وأثناء الإجازات الرسمية، وأيضا فيما يتعلق بقطع الغيار والمواد المستخدمة في قطاعي الكهرباء وتحلية المياه إعطاؤها تسهيلات لانتقالها بين دول المجلس وخاصة عند حالات الطوارئ وعلى مدار الساعة، أما بالنسبة للمواد الغذائية فإنه يتم الاكتفاء بشهادة صلاحيتها الصادرة من الدولة العضو المصدرة ووضع نموذج موحد بذلك، كما أن المواد الغذائية ذات المنشأ الوطني غير مطالبة بتصديق شهادات المنشأ والفواتير المصاحبة لها وشهادات صلاحيتها من السفارات والقنصليات لدول المجلس، إضافة إلى تخليص فوري للإجراءات الجمركية في المراكز الحدودية لدول المجلس بالنسبة للبضائع التي يحملها المسافرون معهم.

هيئة الاتحاد الجمركي

ولمتابعة استكمال الاتحاد الجمركي تم إنشاء هيئة يطلق عليها «هيئة الاتحاد الجمركي» التي بدأت أعمالها في يونيو 2012، بحيث تقوم بدراسة كيفية توزيع الحصيلة الجمركية للدول الأعضاء، ودراسة الحماية الجمركية في نقاط الدخول الأولى، واستكمال دراسة التعامل مع السلع الأمريكية من خلال مملكة البحرين وسلطنة عمان. فضلا عن توحيد الإجراءات الجمركية من خلال التأكد من تطبيقها المواصفات والمقاييس والحجر الزراعي والبيطري ومراقبة السلع المقلدة في نقاط الدخول الأولى، والاتفاق على أن الإجراءات التي يتم تطبيقها في المنافذ الأولى مع الدول الأخرى لا تتكرر في المنافذ البينية، وتقتصر الإجراءات الجمركية في المنافذ البينية على تلك الإجراءات التي لم تتم في نقاط الدخول الأولى, كما تولت هيئة الاتحاد الجمركي دراسة منتجات المصانع الوطنية المقامة في المناطق الحرة بدول الأعضاء، ومراجعة حماية الوكيل المحلي وذلك من خلال دراسة القوانين والنظم المطبقة بدول المجلس والتنسيق مع الجهات المختصة في هذا الموضوع.
وقد تم إنشاء أيضا مركز المعلومات الجمركي لدول المجلس لتزويد إدارات الجمارك بالدول الأعضاء عن بالتعليمات الموحدة المتعقلة بالاتحاد الجمركي ومتابعة تنفيذها، فضلا عن توفير المعلومات التي يطلبها دول الأعضاء عن حركة السلع وانتقالها للدول الأخرى, ولشرح خطوات وإجراءات تطبيق الاتحاد الجمركي فقد كانت هناك ندوات تعريفية مستمرة في جميع الدول الأعضاء وذلك بالتعاون مع غرف التجارة والصناعة.