ما بين مكافحة الإرهاب وطموحات التوسع

ياسمين أسامة فرج –

عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحاب قوات بلاده من سوريا، تفجرت طموحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بإطلاق يده في سوريا وتنفيذ مخططه بالقضاء على المسلحين الأكراد شمال شرق البلاد، حتى أن وزير الدفاع التركي خلوصي أكار هدد عقب يوم من إعلان البيت الأبيض بدء الانسحاب من سوريا بـ «دفن» المسلحين الأكراد شرق الفرات في خنادقهم. ولكن تلك الطموحات اصطدمت باقتراح ترامب بإنشاء «منطقة آمنة» على الحدود لتكون عازلة بين تركيا والمناطق السورية التي يسيطر عليها مسلحو وحدات حماية الشعب الكردية التي تدعمها واشنطن.
لم يجد أردوغان بدا إلا بالموافقة على ذلك الاقتراح الأمريكي غير أنه سعى بشتى الطرق للضغط على واشنطن من أجل أن يتم إنشاء المنطقة الآمنة بـ «شروط تركية» تضمن سيطرة الجيش التركي على إدارة تلك المنطقة ومن ثم الاحتفاظ بالوجود العسكري التركي داخل سوريا لعدة أسباب توضحها أنقرة في حماية حدودها من تنظيم داعش الإرهابي وتطهير المنطقة من مسلحي وحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبرها تركيا جماعة إرهابية وامتدادا لحزب العمال الكردستاني الانفصالي الذي يخوض معارك منذ عقود مع قوات الأمن التركية . كما تسوق تركيا سببا آخر لتمسكها بالمنطقة الآمنة هو إعادة توطين نحو مليون لاجئ سوري في هذه المنطقة لأن أنقرة لم تعد تتحمل أعباء موجة جديدة من المهاجرين السوريين لديها والذين تجاوزت أعدادهم الثلاثة ملايين خاصة مع اشتداد القتال في الآونة الأخيرة في محافظة أدلب وهو ما صاعد من مخاوف تركيا بشأن موجة جديدة من اللاجئين.
واستخدمت حكومة أردوغان مختلف أساليب الضغط على واشنطن لتنفيذ شروطها بشأن المنطقة الآمنة المتعلقة بالإدارة والمساحة والمدن التي ستشملها المنطقة وهي نقاط لا تزال محل خلاف بين البلدين. فقد اتهم وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو الولايات المتحدة بالمماطلة في اتفاق المنطقة الآمنة ، مهددا باستعداد أنقرة للتحرك على نحو منفرد لإنشاء المنطقة إذا اقتضى الأمر. وقال أوغلو إن نهج الولايات المتحدة حتى الآن يخدم وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا أكثر مما يخدم تركيا. كما هدد الرئيس التركي بشن عملية عسكرية في شمال شرق سوريا إن لم تسيطر قوات بلاده على المنطقة الآمنة. واتهم أردوغان أمريكا بأنها تسعى إلى إقامة منطقة آمنة ليس لحليفتها تركيا بل للإرهابيين، في إشارة إلى وحدات حماية الشعب التي تعتبر حليفا رئيسيا لواشنطن في القتال ضد تنظيم داعش في سوريا. كما لجأت أنقرة أيضا إلى التلويح بورقة المهاجرين، حيث هدد أردوغان بفتح الأبواب أمام اللاجئين السوريين الساعين للوصول إلى أوروبا في حال عدم تحقق المنطقة الآمنة وإذا لم تحصل بلاده على مزيد من الدعم الدولي، لاسيما من الاتحاد الأوروبي.
والحقيقة أن التهديدات التركية لا بد أن تؤخذ على محمل الجد، فقد نفذت تركيا بالفعل من قبل عمليتين عسكريتين داخل الأراضي السورية كان أولها عملية « درع الفرات» في أغسطس عام 2016 ، وثانيها عملية «غصن الزيتون» في عفرين شمال غرب سوريا في يناير عام 2018 وذلك تحت شعار مكافحة تنظيم داعش إلا أن العمليتين استهدفتا في الأساس وحدات حماية الشعب التي تعد العمود الأساسي لقوات سوريا الديمقراطية. كما أن تعنت تركيا ويأسها من التوصل لاتفاق مرض مع الولايات المتحدة ربما يدفعها إلى اللجوء في نهاية المطاف إلى حليفتيها روسيا وإيران اللتين تتمتعان بنفوذ وتواجد عسكري في سوريا.
إن مسألة الوصول إلى توافق بين واشنطن وأنقرة حول المنطقة الآمنة هو أمر شديد التعقيد نظرا لاختلاف بل وتناقض هدف البلدين من إنشاء تلك المنطقة. فأمريكا من جانبها تريد حماية المسلحين الأكراد الذين تدعمهم عسكريا والذين تمكنوا بمساعدة الغطاء الأمريكي من انتزاع عدة أراض من تنظيم داعش في شمال سوريا ، بينما تريد تركيا في المقابل كسر شوكتهم والقضاء على أحد الأذرع العسكرية لحزب العمال الكردستاني ومن ثم تدمير حلم الانفصاليين الأكراد بإقامة دولة مستقلة في جنوب شرق تركيا والذين خاضوا من أجله معارك طويلة مع السلطات التركية أملا في تحقيقه. ولذلك فإن الخلافات لا تزال قائمة في عدة نقاط أبرزها مدى عمق المنطقة الآمنة التي تطالب تركيا بأن يكون 30 كيلومترا ، بينما ترفض الولايات المتحدة ذلك وتطالب بالاكتفاء بـ 15 كيلومترا فقط، وهكذا الأمر أيضا فيما يتعلق بإدارة المنطقة حيث ترفض واشنطن بشكل قاطع أن تخضع المنطقة لسيطرة الجيش التركي فيما يصر الرئيس التركي على إخضاع المنطقة للسيطرة العسكرية التركية.
ورغم انطلاق دوريات عسكرية أمريكية – تركية مشتركة في شمال شرق سوريا كخطوة أولى في تنفيذ اتفاق المنطقة الآمنة، إلا أن هناك مخاوف من أن ترفض تركيا المغادرة بعد دخولها المنطقة وإزالة التحصينات العسكرية الكردية تمهيدا للسيطرة الفعلية على الأراضي بتلك المنطقة، كما أن هناك قلقا أمريكيا من أنه إذا استجابت واشنطن للمطالب التركية وقدمت بعض التنازلات فمن شأن ذلك أن يفتح الباب أمام المزيد من المطالب التركية داخل سوريا وهو ما سيفاقم من الأزمة ويزيد من توتر الأوضاع بالمنطقة.
ويرى البعض أن اعتزام تركيا إعادة توطين نحو مليون لاجئ سوري بالمنطقة الآمنة ، ما هو إلا ذريعة تهدف أنقرة من خلالها لتغيير التركيبة السكانية لمنطقة شمال شرق سوريا ذات الأغلبية الكردية وبالتالي تضاؤل الثقل السياسي للأكراد في تلك المنطقة. كما يتهمها البعض الآخر بأنها تسعى للاحتفاظ بموطئ قدم تركي داخل الأراضي السورية يكون منصة لتوسيع النفوذ التركي في منطقة الشرق الأوسط ، خاصة وأن التدخل التركي أصبح جليا في كل من العراق وسوريا وليبيا.
وفي الوقت نفسه، ينظر أردوغان إلى قضية سوريا باعتبارها ورقة مهمة يمكن أن يستخدمها لإرضاء الداخل السياسي التركي المشتعل في ظل الانشقاقات داخل حزب العدالة والتنمية الحاكم وخسارته المدوية في الانتخابات البلدية الأخيرة وانتزاع المعارضة لرئاسة بلدية أنقرة وأسطنبول ناهيك عن التردي الكارثي لأوضاع الاقتصاد التركي والانهيار المتواصل لليرة التركية إلى جانب شبح العقوبات الأمريكية الذي يطارد أنقرة بسبب شرائها صفقة الصواريخ الروسية «إس – 400» والعقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على تركيا بسبب أنشطة التنقيب في البحر المتوسط والتي تعتبرها بروكسل انتهاكا للسيادتين اليونانية والقبرصية. وفي النهاية يبدو أن اتفاق المنطقة الآمنة صعب التحقيق إلا إذا تخلى أحد الطرفين عن موقفه.