قواعد القانون الدولي لا تكفي لإقامة دولة جديدة!

د.عبدالعاطى محمد –

تعارف المختصون بالقانون الدولي على أن قيام أي دولة يتطلب ثلاثة شروط أساسية هي الأرض والشعب والحكومة، يليها شرط رابع هو الاعتراف الدولي بهذه الدولة. وبرغم أهمية وسلامة هذه الشروط، إلا أن التجارب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أكدت أنها تظل شروطا «مؤسسة» لا غنى عنها ولكنها في نفس الوقت ليست «ضامنة» لتمتع الدولة الناشئة بالبقاء والقيام بوظائفها الرئيسة، حيث يتعين توافر عنصرين آخرين هما السيادة من ناحية والقابلية للحياة من ناحية أخرى.
ومع أن دولنا العربية المعاصرة (أعضاء الجامعة العربية) قد توافرت فيها كل هذه الشروط منذ تحقق الاستقلال الوطني إلا أن هذا لم يمنع تعرض بعضها للتغيير سواء بالوحدة أو الانفصال، والأمثلة على ذلك كثيرة. ومع أن التجارب الوحدوية لم تشكل تغييرا جوهريا في وضعية من انخرطوا فيها، وتم التعامل معها عند قيامها على أنها دليل على حيوية الأمة العربية، إلا أن فشلها طوى صفحة هذه التجارب وأدخلها في عالم النسيان.
وأما مظاهر أو محاولات الانفصال فقد ظلت موضع قلق لبعض البلدان العربية وأثرت على استقرارها. اليمن عانى من هذه المشكلة في تسعينيات القرن الماضي، ولا يزال يعاني منها على خلفية الأزمة اليمنية المعاصرة. وانفصل جنوب السودان عن شماله ليشكل دولة جديدة مستقلة (2011) بعد سنوات طويلة شهدت حربا دامية. والعراق واجه نفس القضية منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي عندما ضغط الأكراد في شمال البلاد للاستقلال عن السلطة المركزية في بغداد، فنالوا عبر صراع لونا من الحكم الذاتي لم يرضوا به واقعيا إلى أن صعدوا مطالبهم بالانفصال منذ بضع سنوات قليلة (الاستفتاء على الانفصال)، ومع أنهم فشلوا في ذلك، إلا أنهم واقعيا يباشرون أوضاعهم باستقلالية واسعة. وسوريا تواجه ضغطا شديدا من قوات سوريا الديمقراطية (الأكراد السوريون) لإقامة حكم ذاتي إن لم يكن ممكنا إقامة دولة مستقلة. والشمال العربي الإفريقي ليس بعيدا عن المشكلة، فهناك جبهة البوليساريو التي تطالب بانفصال الصحراء عن المغرب، وهي أزمة مستعصية منذ عدة عقود لم تقلق الاتحاد الإفريقي فقط، بل وترت العلاقات المغربية الجزائرية أيضا. وأما ليبيا فهي مرشحة للانقسام إلى دويلات إن لم تنجح جهود حل الأزمة الليبية المعاصرة سلميا. وليس سرا أن أهل النوبة في جنوب مصر قد ضغطوا بشدة خلال ثورة 25 يناير لتحقيق مطلب الانفصال.
هذا الاستعراض الموجز هو للتدليل على أن منطقتنا العربية ليست محصنة من مظاهر للانفصال هنا أو هناك قد تنجح وقد تفشل ولا من إمكانية ظهور دول أو دويلات جديدة، فالقضية ليست دعوة للمبالغة في تضخيم الواقع المؤلم أو ترهيب من أوضاع مستقبلية مخيفة، وإنما للتعامل مع مثل هذه التطورات على أنها أمر واقع بحلمه ومره لاستقراء الحقيقة أيا كانت، ومن ثم تقدير ردود الفعل بشكل هادئ ومتعقل بعيدا عن الانفعال وصخب الحروب الكلامية.
لقد استيقظ الرأي العام العربي يوم الخامس من سبتمبر 2019 على بيان ألقته امرأة (يقال أنها من أصول لبنانية) من مدينة أوديسا في أوكرانيا يعلن قيام ما سماه البيان دولة مملكة الجبل الأصفر. ومع توالي المعلومات من وسائل الإعلام المختلفة اتضح أن هذه الدولة المفترضة تقوم على أرض تقع شمال السودان على الحدود المصرية السودانية جنوب خط عرض 22 درجة. هذه الأرض تسمى بمثلث «بارتازوجا» ومساحتها 2060 كيلومترا مربعا. وترفض مصر والسودان المطالبة بها بسبب خلافهما الأصلي حول مثلث حلايب وشلاتين، أي أنها أرض مباحة!، وحيث هي كذلك بررت المرأة التي ألقت البيان قيام دولة فيها مضيفة وجود حكومة وشعب بالطبع بما يجعل قواعد القانون الدولي منطبقة عليها، ولا يتبقى سوى توالي الاعتراف من دول العالم. والملفت أن المرأة قالت إن هذه الدولة ستكون حاضنة لكل اللاجئين في العالم!. وقد اتضح من تعليقات بعض خبراء القانون الدولي أن هذا مطلب قديم نسبيا بمعنى أنه جرى قبل بضع سنوات من جانب شخصيات أجنبية وكانت الحكومة السودانية (وقطعا الحكومة المصرية) على علم بهذه المحاولات، وبما أن الدولة المزعومة أو المفترضة تقع بكامل ترابها داخل السودان، فقد كان غريبا أن تصمت الحكومة السودانية (في عهد البشير) على ما يحدث بالنظر إلى خلافها مع مصر بشأن حلايب وشلاتين.
لو نظرنا بعيون القانون الدولي إلى الواقعة السابقة ولغيرها من الوقائع السالف الإشارة إليها لما كان هناك استغراب أو استهجان أو أحكام قاطعة بفشل أية محاولات لإقامة دول أو دويلات جديدة هنا أو هناك في منطقتنا العربية. فأصحاب هذه المحاولات ينطلقون من وجود أرض وشعب وحكومة، بل وإمكانية تحقق عامل الاعتراف الدولي سريعا، وقد حدث ذلك فعلا في أمثلة عديدة. ومع ذلك فإن النتيجة التي نتوقف عندها دائما هي أن محاولات الانفصال بإقامة دول جديدة إما أنها لم تكتمل أو أنها فشلت تماما. حالة واحدة قدر لها النجاح هي دولة جنوب السودان، وتلك شاهد على أن قواعد القانون الدولي الثلاث ليست كافية لإقامة دولة وإنما هناك ما هو آخر الذي لا يقل أهمية عن هذه القواعد، كما سيتضح لاحقا.
العناصر الثلاثة صحيحة؛ ولكنها من الناحية العملية لا تصلح لبعض التجارب لأنها غالبا ما تكون موضع جدل بشأنها مما يعوق قيام الدول بهذه الشروط أو يحكم على مستقبلها بالفشل. فالأرض قد تكون موضع خلافات تاريخية وسياسية وتحديدها جغرافيا أمر بالغ الصعوبة خاصة إذا ما كانت الدولة الجديدة جزءا من الدولة الأصل وإذا ما كانت هناك اتفاقيات للاستقلال الوطني تحدد النطاق الجغرافي للدولة الأم، والشعب مسألة موضع جدل أيضا لأن التركيبة السكانية أو المجتمعية معقدة، وكثيرا ما تقوم دول لشعب واحد بسبب تطورات تاريخية فاصلة كالحروب واتفاقيات التقسيم بعدها (الكوريتان بل وأوروبا ذاتها نماذج للشعب الواحد أو لاختلاط الشعوب الذي يجعل من الصعب تحديد الهوية). وأما الحكومة فهي أكثر العوامل مدعاة للشك والجدل لأنها قد تأتي عبر الإكراه وليس بطريق شرعي.
وبافتراض أن العناصر الثلاثة جاءت على نحو دقيق لا لبس فيه فإن هذا لا يكفي لضمان استمرار الدولة الجديدة وتمكنها من القيام بواجباتها تجاه أبنائها من النواحي الأمنية والسياسية والاقتصادية، فلا بد من توافر عنصر السيادة، أي الحرية المطلقة في اتخاذ القرار على الصعيدين الداخلي والخارجي، وبالمقابل عدم التعرض لأي شكل من أشكال الوصاية الخارجية. ومن الناحية الشكلية من الممكن أن نجد دولا توافرت فيها العناصر الثلاثة ولاقت اعترافا دوليا وحصلت على العضوية في الأمم المتحدة ولكنها من الناحية العملية تفتقد لعنصر السيادة سواء كان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر (قرارها ليس بيدها).
وإلى جانب أهمية توافر عنصر السيادة يتعين أن تكون الدولة الجديدة قابلة للحياة. وهذا عنصر جديد توافقت عليه الإرادة الدولية نتيجة اكتشاف العديد من المشكلات التي تتعرض لها دول مستقلة حديثا بسبب عدم توافر الظروف والإجراءات التي تجعلها غير قادرة على الوفاء بمسؤولياتها الوطنية والدولية مما يترتب عليه وقوع أزمات تهدد الأمن والاستقرار الدوليين. فما معنى السماح بوجود دولة لا تتمكن من توفير ما يسمى بالتكامل الجغرافي أي وحدة أراضيها أو دولة لا تمتلك الموارد بما يمكنها من القيام بمتطلبات التنمية ولا يجعلها عبئا على المجتمع الدولي.
لدينا مثالان يوضحان أهمية تكامل العناصر لإقامة دولة بالمعنى الحقيقي لا الشكلي والمنقوص، وهما قيام دولة جنوب السودان وشروط قيام الدولة الفلسطينية. ففي الحالة الأولى هناك ما يميز جنوب السودان عن شماله من الناحية الجغرافية، وكذلك اختلاف التركيبة السكانية حيث العنصر الإفريقي جلي تماما في الجنوب بينما العنصر العربي جلي في الشمال (الاختلاف في الديانة أيضا)، وكان للجنوب سلطته السياسية المدعومة من أبناء الجنوب الرافضة لسلطة الشمال على البلاد، ومعلوم أن الجانبين خاضا حربا مريرة لعدة عقود، وللجنوب موارده الخاصة التي تمكنه من البقاء، وعندما اختلف الطرفان على موضوع الانفصال تم إجراء استفتاء بإشراف دولي أيده الجنوبيون بنسبة عالية؛ هذا فضلا عن وجود اقتناع دولي بضرورة الانفصال وإقامة دولة. لقد جاءت دولة مكتملة الأركان قابلة للحياة. وعلى الجانب الآخر فإن كل التركيز في جهود إحلال السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين ظل منحصرا في إقامة دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة بجانب دولة إسرائيل. هناك أرض محتلة يجب أن تعود لأصحابها وهم الفلسطينيون، وهناك شعب بالطبع وهناك حكومة (السلطة الفلسطينية)، وهناك اعتراف بهذه الحكومة واستعداد دولي للاعتراف الكامل والمطلق بالدولة عند قيامها، والأهم هناك إجماع دولي إلى أن تكون الدولة قابلة للحياة وليست مثل قطعة الجبن المليئة بالثقوب أي تكامل الأرض جغرافيا، وكذلك توفير سبل الدعم المادي لهذه الدولة.
وإذا كانت إسرائيل وإدارة ترامب لا يريان هذا التصور فهذا متوقع منهما ولا ينفي صحته بكل تأكيد، فبغيره لا تكون هناك دولة فلسطينية.