الإسلام دين السلام .. يدفع الفرد إلى التصالح مع الذات والانسجام مع الآخرين

زهرة سليمان أوشن –

«إن المسلم يدين بدين اسمه الإسلام، والإسلام والسلام بينهما تقارب وتجانس في المبنى والمعنى، فالإسلام يحقق الأمن والاستقرار النفسي والمجتمعي ويرفع الفرد إلى حالة عالية من التصالح مع الذات والانسجام مع الآخرين ومن ثم يساهم هذا الفرد الملتزم بدينه في رفع لواء السلام ونشر الوئام».

(السلام عليكم).. هكذا يبدأ المسلم تحيته لغيره، يحيّهم بالسلام ويكلمهم بكل احترام فهو يدين بدين السلام.. دين يتعلم من عقيدته أن من أسماء ربه جل وعلا (السلام)، قال تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ).. والسلام في اللغة يدل على الصحة والعافية فالسلامة أن يسلم الإنسان من العاهة والأذى.. والله هو السلام لسلامته مما يلحق المخلوقين من العيب والنقص، ولا شك أن الإنسان تعتريه أحوال وتغيرات وأنه وإن طال زمن سلامته سيمر بفترات وهن وضعف ولن يسلم من الآفات والعلل وإن دامت سلامته فالموت له بالمرصاد، وصدق زهير حين قال:
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته
يوما على آلة حدباء محمول
والمسلم الذي ينشد السلامة والسلام بهذا المعنى ينطلق إلى رحاب أوسع لمعنى السلام، فإن السلام لفظ له علاقة بالسلم والاستقرار فهو ضد الحرب والعنف، حيث يتعلم المسلم من دينه حب الخير والعفو والتيسير فيجانب الاستعلاء والغرور والشرور حتى لا يكون سببا في تقويض دعائم الأمن وبث الرعب وتهديد السلم، بله أن يكون سببا في سفك الدماء وإشعال الحروب.
إن المسلم يدين بدين اسمه الإسلام، والإسلام والسلام بينهما تقارب وتجانس في المبنى والمعنى، فالإسلام يحقق الأمن والاستقرار النفسي والمجتمعي ويرفع الفرد إلى حالة عالية من التصالح مع الذات والانسجام مع الآخرين ومن ثم يساهم هذا الفرد الملتزم بدينه في رفع لواء السلام ونشر الوئام. ولو تأملنا في أحوال البشر على تنوع أعراقهم وتعدد ثقافاتهم، لوجدنا أن كل ذي فطرة سوية يرغب في السلام ويسعى إليه، فمن ذا الذي يحب الحروب ويعشق الهدم والخراب إلا من طمس الله على بصيرته فأعماه حقده وهبط به هواه إلى درك من الحيوانية فغدا لا يرى في البشر إلا فرائس عليه أن ينقض عليها ويهدر دماءها وحقوقها.
ولا شك أن الإسلام يرفع أفراده في مدارج العلا الإنساني ويهذب أنفسهم ويزكيها لتصل إلى توازن داخلي يحقق لها الطمأنينة، وينير العقل بالوحي فيبتعد عن الشبهات ويتنقى من الملوثات الفكرية، ويعالج أدواء القلوب وآفاته بالآيات والتذكير حينا وبالتربية والقدوة أحيانا، فإذا بالمسلم بعد كل هذه الجولات والمدد النوراني على نفسه وعقله وقلبه، يغدو في حالة رفيعة وقد تحققت له الصحة النفسية والاستقرار العاطفي والاستنارة العقلية والسمو الروحي فيحيا في سلام عميق مع نفسه ومع الآخرين.
إن فردا نشأ هذه التنشئة وصقل هذا الصقل المميز، لا يمكن أن نراه في مجتمعه الإنساني إلا معولا للبناء ومفتاحا للخير، مبشرا بالحق وداعيا للحب والتسامح. وهذا الفرد هو منتج إسلامي بامتياز، استطاع الإسلام تقديمه للعالمين حين علت وغالت النظريات والأفكار الداعية إلى الحروب والفتك ببني الإنسان والتي تحولت إلى سلوك همجي تجيش فيه الجيوش وتصنع فيه أدوات الدمار من أجل السيطرة والاستبداد استنادا إلى أقوال تقول: إن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان وأن الغاية تبرر الوسيلة وأن العلو للشر لا للخير وأن البقاء للأقوى ولا مكان للصلح بين البشر إنما هي العداوة والعدوان، وإنما هو البغي والقهر والتحكم والاستعباد.
وحتى بعد الرقي المدني والتقدم التكنولوجي، لا زالت الصراعات قائمة والحروب منشرة وتجارة السلاح رائجة، ولا زال يظهر منظرون تعقد لهم الندوات وتبث آراءهم المحطات التلفزيونية وتنشر مقالاتهم دور النشر العالمية. لا يزال يخرج علينا هؤلاء بنظريات تخلق الفوارق بين البشر وتدعو للتقاتل والنزاع بشكل مباشر أو غير مباشر، فيتحدث متحدث منهم عن ضرورة الاستحواذ على الموارد الطبيعية، ويتفلسف متفلسف ليعلن نهاية التاريخ وصدام الحضارات فيجعل العلاقة بين البشر قائمة على الإقصاء والتقاتل، مبنية على الصراع والتنازع. في حين جاء الإسلام ليعلو بالفرد عن الأنانية والغرور والاستعلاء والاستكبار منطلقا من عقيدة سليمة تقوم على العبودية لله والسير على منهجه الذي يؤكد على تكريم الإنسان وحثه على القيام بأمانة الاستخلاف والإعمار وتحقيق معاني العبودية الحقة لله تعالى. فإذ بالإسلام يأمرنا بالتعاون، قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)، ويبين لنا أن العلاقة بين البشر أساسها التعارف لا التنازع، مؤكدا المساواة في تكريم الإنسان من حيث إنه إنسان وأن التفاضل إنما يكون فيما يقدمه هذا أو ذاك من صالح الأعمال. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً). ولا شك أن هذه الدعوات وهذه الرؤى العميقة من الإسلام ليست مجرد شعارات خادعة، بل هي شعارات حقيقية، يحققها المسلم على أرض الواقع وهو ينطلق كما أسلفت من العبودية الحقة لله تعالى والتمسك بمنهجه القويم والتخلق بأخلاق كتاب ربه العزيز وسنة نبيه الكريم التي تدعوه لقيم التسامح والعفو وحب الخير والدفع بالتي هي أحسن والصبر على الناس، وتأمره بالعدل والإحسان والرأفة والرحمة وتحضه على التعاون المثمر والتعايش البناء والاعتراف بالآخر وحسن التعامل مع المخالف، والآيات في هذا كثيرة، قال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، وقال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، وقال: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)، وقال في شأن التعامل الراقي مع المخالف: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).
وتحدث عن أهمية العدل حتى مع من نحن في عداوة معه فيقول:( وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، إذا الأخلاق في الإسلام لا تقوم على النسبية بل هي قيم مطلقة مع الجميع، قال تعالى:( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ). وهذا لا يعني أن لا يدافع المسلم عن دينه أو عرضه إذا اعتدي عليه أو أن يستسلم ويسلم في حقه إذا اغتصب منه، أو أن يكون راضيا بالضيم بل يفرض عليه الجهاد عند ذلك ويطلب منه البذل والتضحية حينئذ مع التخلق بكريم الخلق وعدم المجاوزة إلى الاعتداء حتى وهو يحارب الأعداء ويذود عن دينه وعرضه وماله، قال تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)، كل هذه القيم مع البناء المميز للفرد المسلم الذي تجعله صاحب قلب سليم خالي من الحسد والغل ومن الشحناء والبغضاء محبا للناس لا يبغي لهم إلا ما يبغي لنفسه من هدى وسداد وتوفيق ورشاد، تؤسس وتدعم رسالة السلام التي جاء بها الإسلام، وقد سطر التاريخ أسطرا من نور في سماحة الإسلام وعدله ورقيه وإنصافه. وقد شهد بذلك الأعداء قبل الأصدقاء، فكيف يتحدث متحدث بعد ذلك عن هذا الدين فيصفه بالإرهاب أو يدعي أنه دين عدوان؟! سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم.