إضاءة: نحو مجتمع فاضل

سالم الحسيني –

حينما قال أمير الشعراء أحمد شوقي:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

وهو القائل:
ليـس اليتـيـم مـن انتـهـى أبـواه مـن
هــــمِّ الـحـــيـــاة وخــلَّــفـــــاه ذلـيــلا
إن اليـتـيـــم هـــو الـذي تـلـقــى لــه
أمـَّــاً تـخــلَّــت أو أبــاً مــشــغــــــولا
وإذا أُصـيـب القـــوم في أخـلاقـهــــم
فـأقـــمْ عـلـيـهـــم مـأتـمـــاً وعــويــلا

لم يقل ذلك إلا من واقع مرير يصف من خلاله مجتمعه الذي مر بمنعطف خطير من انحسار الأخلاق وتدني القيم في سابقة لم يعهدها في جيله أو الجيل الذي سبقه.. ذلكم الجيل الذي تربى على معانٍ راقية من القيم والأخلاق الفاضلة في مجتمع متعاون متحاب تسوده البساطة والقناعة وحب الخير، فلما تغير نمط الحياة وساد مجتمعه الجري وراء الماديات وانساق المربون والآباء والأمهات نحو تحقيق تلك المآرب، بل وتفاقمت تلك الإشكالية مع انفتاح هذا العالم بأسره بشكل جنوني نحو ذلك الهدف دونما اعتبار للقيمة الأخلاقية، حيث عرض بضاعته المزجاة دونما تفرقة بين الغث والسمين فكانت نتيجة تلك الهرولة نحو الفضاءات المفتوحة دون رقيب ولا حسيب جيل تناوشته الأفكار الهدامة سلبت منه تلك المعاني الإنسانية والقيم العالية التي تربى عليها منذ نعومة أظفاره على أيدي آباء نجباء ومشايخ فضلاء وأمهات فاضلات تحت مظلة هذا الدين الإسلامي الحنيف الذي أولى هذا الجانب من القيم الفاضلة جل اهتمامه واتخذه أس كل معاملة حينما اكد عليه دستوره الخالد واصفا النبي الخاتم.. (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، وهي الصفة نفسها التي كان عليها نبي هذه الأمة المحمدية صلى الله عليه وسلم ويدعو الناس إليها: (اتَّقِ اللهَ حيثُما كنتَ، وأَتبِعِ السَّيِّئَةَ الحسنةَ تمحُها، وخالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حَسنٍ)، وأكد عليها لتكون منطلقا لدعوته المباركة (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).
ولكن رغم ما تمر عليه هذه الأمة المحمدية من منعطفات في حياتها إلا أنها أمة حية باقية ما بقي دستورها الخالد وهو القرآن الكريم بين ظهرانيها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وإن أصابها الوهن في فترة من الفترات، إلا أن الخيرية التي ارتضاها لها خالقها العظيم (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) لابد من أن يقيظ لها رجالا ونساء أوفياء اصطفاهم ليقوموا بهذه المهمة ويجددوا هذه الرسالة المحمدية وما هذه الصحوة في بلادنا العزيزة إلا نموذج يبهج النفس ويسر الخاطر ينبئ عن إدراك مبكّر لتدارك تلك المعضلة والتصدي لذلكم الطوفان الجارف من الغزو الفكري الذي يستهدف عقول الفتيان والفتيات على حد سواء للتأثير على أخلاقياتهم فكانت هذه الثورة الفكرية المضادة التي تقودها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم من تسيير القوافل الوعظية وإعداد البرامج المسجدية والملتقيات الشبابية للكوادر الدينية وتتويج ذلك بالندوات والمحاضرات الدينية وعلى رأسها ندوة الفقه الإسلامي التي عادت بعد انقطاع عدة سنوات لترسخ تلك القيم الفاضلة وتجمع الشتات بين الأمة الواحدة، ومثلها من الجهود التي يبذلها أناس نذروا أنفسهم لتحمّل هذه الأمانة من الأئمة والدعاة والوعاظ والمرشدين فجزى الله القائمين عليها خير الجزاء.