في أمسية نظمها جامع الغبرة الشمالية عن الهجرة النبوية الشريفة

المعمري: النصر والتمكين يكونان بالتوبة والعودة إلى التمسك بالدين الحنيف –
هجرة المصطفى الكريم إيذانا بميلاد نظام الحق والعدل وإنشاء جيل لم يعرف التاريخ مثله –
كتب – سالم الحسيني –

أكد الشيخ الدكتور عبدالله بن سعيد المعمري المحاضر بكلية العلوم الشرعية أن التمكين والنصر لهذه الأمة لا يكونان إلا بالتوبة والرجوع إلى الله، والعودة إلى دينها والتمسك به، وتنقية القلوب وتصفيتها، ثم الإرادة الصادقة للتغيير ثم العمل المتمثل في التخطيط السليم والتنفيذ الأمين.. جاء ذلك في محاضرة له خلال أمسية دينية عن الهجرة النبوية أقامها جامع الغبرة الشمالية بمسقط بالتعاون مع جماعة الرشد الاثنين الماضي.

وأشار المعمري خلال محاضرته إلى أن هجرة المصطفى محمد -صلى الله عليه وسلم- لم تكن مجرد حدث طبيعي أو تاريخي كغيره من الأحداث بل هو حدث عالمي يؤرخ للإنسانية جمعاء وهو إيذان بميلاد نظام الحق والعدل وإيذان بانتشار نور الإيمان في أصقاع الأرض وبإنشاء جيل لم يعرف التاريخ مثله، انه تأسيس للحضارة التي تقوم عليها الإنسانية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولذلك اختارها المسلمون في عهد الفاروق عمر -رضي الله تعالى- عنه لتكون رصدا للتاريخ الإسلامي الذي هو تاريخ الكون كله، لأنه قائم على نظام الفلك الذي أراده الله سبحانه وتعالى بعد أن استدار الزمن كهيئته يوم خلق السموات والأرض.
وأوضح المعمري أن ما يجري في العالم اليوم يجعل الحليم حيران بل انه يوقظ العزائم وينبه الغفلان ويحرك السواكن، فإن حال الأمة الإسلامية وصل إلى أن يشفق عليها عدوها لما تعانيه من تمزق وتفرق وضعف وهوان وذل فقد استبيحت مقدساتها وانتهكت حرماتها، ونهبت أموالها وقتل الكثير من رجالها ونسائها وأطفالها فضلا مما هو معلوم من كون ضعفها وذلتها بلغ الغاية، وهذا يستدعي إلى أن تنتبه هذه الأمة من رقدتها لتحاسب نفسها على كيفية الخلاص من هذا الوضع الذي يبكي القلب دما، ولأن كان من شأن ينبغي أن يذكر فأقول: أولا تجب التوبة إلى الله تعالى لأن التوبة هي التي تنقي النفس من أدرانها وتخلصها من تبعاتها وتصلح علاقة العبد بمولاه سبحانه وتعالى وبغيره من المخلوقين وبذلك تتأسس القاعدة بأن تخلية تكون قبل التحلية حتى تكون الانطلاقة صحيحة ويكون البناء قويا، فيجب قبل هجرة الأبدان هجرة الأرواح إلى الله تعالى، فالنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجر ببدنه إلى المدينة المنورة هاجر بروحه فقد ترك كل شيء لله تعالى، وكان مستعدا لتحمل كل شيء في سبيل الله تعالى، وكان يرجو بكل ما يفعله نيل رضوان الله تعالى، فيجب أن تنقى النفس وان تصفى من أكدارها.
وأضاف: إن الذين يرتكبون المعاصي لا يقام بهم شأن ولا ترفع بهم راية، وهذه الأمة ما أصابها إلا بما كسبت ايديها، وذلك ما أكده الحق سبحانه وتعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) وإلا فإنها من حيث العدد قد تكون اكثر من عدوها ومن حيث الموارد والخيرات قد تكون اخصب من ارض عدوها، ومن حيث العقول قد تكون أوفر حظا فلديها كل أسباب التمكين لكنها معطلة.. مستشهدا بقوله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) فإن كنت تريد نصر الله تعالى فلا يتحقق النصر إلا بنصر العبد لمولاه قبل ذلك.. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)، فالتوبة هي الأساس بكل ما تشمله هذه الكلمة من معنى، فليست الكلمة مجرد كلمة تلوكها الألسن وإنما هو شعور إيماني يقتلع هذه النفس الأمارة بالسوء من جذورها ويقيمها على جادة الحق لتغدو العبد الخاضع الذليل المطيع لمولاها سبحانه وتعالى حتى تستحق كل نصر وعز وتكريم، والله تعالى عند ظن عبده به.. (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، موضحا أن بعد التوبة يجب أن تكون هناك إرادة قوية وعزيمة صادقة لا تعرف التراجع ولا التردد وإنما تمضي بقرار ثابت إلى الأمام لتغيير الحياة السابقة إلى الطاعة لله تعالى والرغبة في نصر هذه الأمة وإعزاز الدين وجمع الكلمة والتضحية بكل غال في سبيل الله تعالى، فالإرادة شرط أساس للمضي إلى الأمام ونهج صراط الله المستقيم.. (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). مبينا: إن هذه الأمة إن أرادت التمكين في الأرض فعليها أن تأخذ بجميع الأسباب التي تدخل في قوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) حتى تمضي الأمة لتحقيق غاياتها، مؤكدا أن كل فرد من أفراد هذه الأمة مسؤول عن ذلك مستشهدا بقوله صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكل مسؤول عن رعيته) كل بحسب ما آتاه الله تعالى من قدرة ومن نعمة. واختتمت الأمسية بتكريم المنظمين والمشاركين فيها.