مدينة «سلوت» الأثرية من عمق حضارة مجان إلى أبهة حاضر عمان

مدينة تختصر خمسة آلاف عام من الحياة وحجارتها تحكي روائع قصص التاريخ –

مكتب -عمان – بنزوى: محمد بن سليمان الحضرمي –

زار أمس الأول الوفد المشارك في الندوة الدولية حول تطبيقات العملية لتوصيات صلالة، والمقامة حاليًا في فندق جولدن توليب بنزوى، موقع سلوت الأثري في ولاية بهلا، حيث اطلع على معالم هذه المدينة الفسيحة مترامية الأطراف، التي تؤكد حجارتها ومعالمها على مكانتها المرموقة في التاريخ العماني، ترأس الوفد معالي عبدالعزيز بن محمد الرواس مستشار جلالة السلطان للشؤون الثقافية، الذي أخذهم في جولة على معالم المدينة، وأطلعهم على تفاصيل هذه المدينة العريقة، وكان معاليه يشرح للوفد الدور الكبير الذي بذلته الحكومة ممثلة في مكتب مستشار جلالة السلطان للشؤون الثقافية، من أجل النهوض بهذه المدينة، المطمورة تحت الرمال حقبة طويلة من الزمن، حتى تم الكشف عنها بالتعاون مع البعثة الأثرية الإيطالية من جامعة بيزا، وكانت أعمال الحفريات والتنقيب في متنزه حصن سلوت الأثري قد بدأ بالعمل في الموقع منذ عام 2004م، وفي كل مرحلة من مراحل الحفر والتنقيب تتأكد عراقة الموقع وأهميته التاريخية، كونه يمثل قلب حضارة مجان في عمان التاريخية، وأثبتت وجود تواصل تجاري وثقافي مع حضارات العالم، كوادي الأندوس، وبلاد الرافدين، وبلاد فارس في فترة مبكرة من العصر البرونزي، وروما واليمن خلال فترات العصر الحديدي.
الزيارة لمدينة سلوت هي زيارة حقيقية إلى عمق التاريخ العماني، وقلب حضارة مجان، فكل التفاصيل التي يراها الزائر تعود به إلى ذلك التاريخ العماني الموغل في القدم، الحجارة تنهض من سباتها، لتحكي قصص الحقب الزمنية الماضية، والملامح والحصن الذي كان مطمورًا في الرمال، ولا يبدو إلا تل رملي عملاق، اليوم أصبحت له ملامح وتكوينات وجماليات، فقد أزيح تلال الرمال منه خلال خمسة عشر عام الماضية، وبدا بوضوح وجلاء، أشبه بدرة لم تغيرها عوادي الزمان، بل زادتها بهاء وإشراقة.
حصن سلوت إحدى الحكايات التاريخية الأخاذة، يشرق من بعيد برؤوسه الحجرية، وتتحدث تقارير البعثات الأثرية أن الموقع يعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وهو العصر الذي يعرف بالبرونزي، في الموقع مدافن وأبراج، وبعد التنقيب في الموقع تم العثور على لقى من الخرز والدبابيس ورأس صولجان من الحجر الأبيض.
وتؤكد التقارير أن بناء الحصن كان على مرحلتين معماريتين، بدأت منذ العصر الحديدي المبكر وفترات لاحقة من العصر الحديدي والعصور الوسطى، وكونه حصنا مرموقا شيد في السفح، فإن له وظيفة دفاعية ، وتشير بعض اللقى والمعثورات إلى استخدام الموقع في مهام احتفالية ودينية، ويمثل الحصن الرمز الأثري الأبرز في مدينة سلوت.
إن نظرة تأملية إلى مدينة سلوت من أحد المرتفعات المجاورة لها، تعطي صورة بانورامية عن مدينة مترامية الأطراف، يظهر مداها إلى مساحات فسيحة، لتترابط معا في نسيج واحد، أشبه بالخلايا المتلاحقة، سلسلة من المدافن، تنهض من باطن الأرض، وأسوار تلوح في مرمى البصر، تربط السهل بالجبل، لتحيط المدينة الساحرة بتفاصيلها المتناثرة.
في السهل المجاور تتناثر أصلاف حجرية هي الأخرى تمثل لقى مهمة تعود إلى تلك الأزمنة البعيدة، الحجارة هي أهم مكون لمدينة سلوت، الأصلاف تنساب من التلال إلى السهل، وتتناثر في كل الأرجاء.
مواقع مستديرة وأخرى تأخذ أشكالًا هندسيةً مختلفةً، تمثل أسسًا لمواقع قديمة في مدينة سلوت، شبكات من الطرق ومبان متنوعة الحجم والمساحة، ونظام لتصريف المياه، وقنوات للفلج الذي كان يغذي الأرض الزراعية.
في تقرير لمكتب مستشار جلالة السلطان للشؤون الثقافية، يكشف عن تفاصيل دقيقة لمدينة سلوت، النمط العمراني لا يزال صامدًا في كل المواقع التي تم التنقيب فيها، بعض المواقع لا تزال غامضة لدى المستكشفين، كالموقع الممتد من سطح الأرض إلى عمق أحد عشر مترًا، ما أشبه بمخبأ له استخداماته الخاصة. الأبراج التي تتناثر في الموقع، مبنية بحجارة ضخمة الحجم، تدهش الزائر، وتخفي عنه طريقة نقلها ورصها، الحجارة هي أكثر ما يثير الزائر في موقع سلوت، مبان مستطيلة تؤكد العمق الحضاري للموقع.
الصالة الأثرية في سلوت تمثل أحد المشاريع التي يتم تنفيذها حاليًا، مع محاولة إظهار الفلج، وشق ساقية محاكية للفلج القديم الذي تظهر منه منابع وآثار لسواقٍ قديمة في عمق الأرض، وربط المنطقة الزراعية بالموقع الأثري، ليشكل معلمًا متكاملًا، الساعتان النجمية والشمسية، حازا على إعجاب الزوار، فقد نظروا لها بدهشة، و«غراق فلاح»، أو المصب والمنبع الذي تم تجسيده في الموقع، ليعطي صورة عن فن توصيل ماء الفلج بين ضفتين متقابلتين، يفصلهم واد أو مجرى مائي، وهي الطريقة التي تجسد نظرية «الأواني المستطرقة»، حيث يصب الفلج في نفق عمودي، ثم يسير في اتجاه مستوى للأرض، لينبثق من نفق عمودي آخر، ينفذ إلى سطح الأرض، ويأخذ الفلج إلى الضفة الأخرى، وهو أحد المشاريع التي ستضفي على الموقع جذبًا سياحيًا.