ســحّــارة الرمــل للابــتــكار

آن بنت سعيد الكندية –
Twiter: @AnnAlkindi –

كسرت فكرة صندوق أو سحّارة الرمل (ترجمة حرفية ل SandBox ) الطرق التقليدية للتعامل مع كل ما هو جديد. في العادة وبعد النقاش يكون الاستهجان والرفض لما هو جديد، وبالتالي ضياع الكثير من الفرص. تصطدم الأفكار الجديدة مع الأنظمة والقوانين والتشريعات التي تحدها من تطبيق الشيء «غير المعتاد». كل هذا كسرته الفكرة المختبرية التي اشتهرت لاختبار الفنتك -التنكولوجيا المالية- لتجربتها في محيط محدد وبشروط معينة لمعرفة ما لها وما عليها، وما هي التشريعات التي تحتاجها الدول للاستفادة من هذا الطوفان التكنولوجي الجديد؟. الصندوق الرملي مختبر لتجارب الابتكارات سواء كانت مالية أو غيرها وكأي مختبر فإنه يتم التحكم بالعوامل المحيطة به لمعرفة تأثيرها على ما يراد اختباره بحيث يتم تغيير بيئة المختبر. الصندوق الرملي هي ردة فعل رائعة جدا إزاء التحديات التي أفرزتها الأزمة المالية العالمية (2007 – 2008) والتي هي أزمة ثقة بالمقام الأول إذ أنها تبنت الأسلوب العلمي بدون أن تحدها قيود تقليدية مطبقة. طريقة مبتكرة لحل المشكلات بدأت في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2012، وثم انتشرت في العالم.
وعدتكم في ختام مقالي الأول عن الفنتك (راجع جريدة عمان مقال .. وما أدراك ما الفنتك) بتحليل ما يمكن تعلمه من التجارب الدولية، وكيف تعاملت الدول مع التكنولوجيا المالية الفنتك. تغني دراسة تجارب الدول عن كثير من التوصيات غير المجربة والحلول المعلبة المكررة، وهنا لا يمكن الحديث عن الفنتك وإغفال التجربة الصينية. حجبت الصين عام 2010 جوجل وبعدها تويتر والفيس بوك وغيرها لأسباب أمنية بحتة تبين فيما بعد أن منافعها الاقتصادية ضخمة جدا. الصين تحركت ضمن استراتيجية تدرجت في خطوات منها بناء مشروع تقني باسم جدار نار الصين العظيم The Great Firewall of China تماما كما بنت منذ آلاف السنين سورها العظيم لحمايتها من الهجمات، إلا أن هجمات اليوم حروب إلكترونية.
تتحرك الدول بناء على استراتيجيات متقنة مبنية على قراءة معمقة للواقع وإيمان تام بالقدرات، وهو الدرس الذي برعت في تطبيقه الصين وكيف لا وكتاب فن الحرب لمؤسس علم الاستراتيجيات سن تزو صيني المنشأ. الدرس الأخر الذي أشارت إليه دراسة هارفارد هو أن الصين أطلقت حملة دعائية لإذكاء روح الابتكار وما تطبيق WeChat – الذي يبلغ عدد مستخدميه النشطين شهريا ما يقارب المليار مستخدم-إلا نتاج التنافس. أدرك بوني ما Pony Ma مؤسس شركة تينست Tencent الصينية المتخصصة في مجال الإنترنت والألعاب- تتعدى قيمتها 500 مليار دولار في عام 2018- أن افضل استراتيجية للتعامل مع الوضع الحالي الذي تبنته الحكومة الصينية بحجب هذه الشركات العملاقة وضرورة إيجاد بديل لها هو اذكاء روح المنافسة الداخلية فكانت النتيجة تأسيس منصة Wechat التي جاءت بديل الواتس اب و تخطته بمراحل بحيث أصبح هذا التطبيق نموذج للفنتك. الوي تشات منصة متكاملة للتواصل الاجتماعي والتجارة الإلكترونية بحيث يمكنك عبره حجز مواعيد الطبيب والحجز للسفر وتلخيص المعاملات البنكية، فأي كمية بيانات شخصية تلك التي في حوزة الحكومة الصينية؟!. هناك خارطة عالمية للفنتك، أحاول في هذا المقال طرح الملامح العامة لها وخلاصة ما يمكن الاستفادة منه. الفنتك تهديد حقيقي للنظام المالي لذا حتى لا يسحب البساط من المركز المالي اللندني والذي يرفد الحكومة البريطانية بـ200 مليار في 2015 و يمثل 11% من إجمالي الدخل المحلي -حسب دراسة KPMG – فأصبحت لندن عاصمة الفنتك. لا سبيل للتعامل مع التهديد إلا بقلبه الى فرص. تبنت لندن نظام متكامل للفنتك Fintech ecosystem من ناحية التشريعات المسهلة والحاضنات واستقطاب الخبرات الفنتكية المنتاهية الدقة في التخصص لاستقطاب المشاريع الناشئة (ترجمة لا تعطي المعنى الدقيق ل startup)، وهو ما لا تمتلكه الدول النامية إذ أن النظام المتكامل يأخذ بناءه عقودا من الزمن.
يتبادر لنا أين موقع الشرق الأوسط من الفنتك؟! و هل هناك ما يمكن التعلم منه؟. تقود الإمارات السباق الفنتكي في الشرق الأوسط ليس بحجم التطبيقات المالية التي انتجتها إنما بجذبها الأفكار عبر تهيئة البيئة وذلك بتبني فكرة الصندوق الرملي المختبري. كما دخلت السباق كل من البحرين والسعودية ومصر، والتطور اللافت تأسيس مؤسسة النقد السعودية (ساما) مركز فنتك السعودية بداية هذا العام (2019) واستقطابه حتى الآن لثمانية عشر مشروع ناشئ تنوعت ما بين المدفوعات والإقراض والحلول البنكية.
طبيعة الاقتصاديات الريعية (المعتمدة على المصادر الخام كالنفط) تخلق اتكالية مما يعني انعدام التنافس الذي هو بيئة خصبة للابتكار. القطاع البنكي الخليجي يعيش سعة من الراحة باعتماده على مصادر ربحية مضمونة وهو ما يشكل تحديا جوهريا أمام ازدهار الفنتك. علمتنا التجربة الصينية أهمية التنافس فالسياسات الحمائية للقطاع البنكي الخليجي ضارة للنمو الاقتصادي وقاتلة للبنوك نفسها في ظل عدم الشعور بالحاجة الملحة sense of urgency لتبني سباق الثورة التكنولوجية المالية. استبدال النقد الورقي cashless ليس محل للنقاش، العالم اليوم يتحدث عن التطبيقات الأفضل والاكثر كفاءة وذات السعر المعقول.
الصناديق الرملية هي الحل الأمثل للدول النامية التي لا يكتمل فيها النظام المتكامل ecosystem. توفر هذه الصناديق الوقت على الحكومات وتسهل عليها مهمة الاستكشاف وتضع الأمر كله تحت أعينها الأهم انه لا يفوت عليها فرص الابتكارات والسبق التكنولوجي حتى لا تكون خارج الركب. تكمن أهمية الصندوق الرملي أنه تعدى مرحلة الأعذار طريقة مبتكرة للتعامل مع أي إشكالية أو مع أي جديد. الابتكار شيء جديد من الطبيعي أن لا يكون له تشريعات لذا أحد الأمور القاتلة للابتكار هو عدم وجود صندوق رملي يوفر له فرصة النمو والاختبار. لم يعد هناك مكان للأعذار مثل عدم نضج السوق وقوانينه لإدخال نوعية جديدة من الابتكارات المالية، فالتوجه والفكر اهم من القوانين والاشتراطات وليس العكس.
تتعدد الجهات المسؤولة عن بناء نظام متكامل ecosystem لذا يُقترح على الدول النامية إعداد استراتيجية للتكنولوجيا المالية الفنتك. كل مال له علاقة بالمال يمر بثورة تكنولوجية، فكيف لمخطط الاقتصاد أن لا يطلع على آخر مستجدات الفنتك؟ وكيف لمخطط التعليم أن لا يعرف ما يتطلبه قطاع المال من مهارات؟. يعتقد الخبراء الأكاديميون أنه من المحتمل مستقبلا دمج تخصص التقنية مع المحاسبة والمالية. صحيح أنه ليس لدينا سحّارة الرمل حتى الآن رغم الحراك التقني الذي نراه، إلا أن مستقبل الفنتك ليس بعيدا عن السلطنة، بل هناك قصة نجاح وسط التحديات، فهل سمعتم عنها؟!
للحديث بقية…