خداع الذوات وسجونها!

محمد جميل أحمد –

كثيرون من البشر تمارس عليهم ذواتهم تضليلا مستمرا فلا يدركون أنهم في سجون ذواتهم ومراياها إلا بعد أن تخرجهم منها التجارب إلى حين!
مطلق البشر، يميلون إلى تصديق ذواتهم، أكان خداعا ذلك التصديق أم حقيقةً، لكن معرفة الذات بوصفها هوية للأنا، لا يمكن اكتشاف حقيقتها أبدا، إلا عند لحظة الاحتكاك مع ذات أخرى مختلفة. ومن خلال الاحتكاك يتبدى للذات ما لم تكن تعرفه عن طبيعتها.
هكذا يكون جدل الذات والآخر سببا للخروج إلى فضاء أرحب تتوسع معه زاوية النظر. وتتكون من خلاله خبرات منعكسة، لم تكن لتتكون إلا بتلك الطريقة من الاحتكاك. ما يعني أن من شروط إدراك خداع الذات وسجونها؛ الاحتكاك بالآخر.
عادات البشر، هي أيضا ضرب من السجن الذي يعني رؤية ظواهر الأشياء، من خلال وطأة العادة باعتبارها هوية مشتركة لفعل جماعي ميكانيكي تتوحد معه مساحة النظر إلى ظواهر الأشياء.
بيد أن أخطر سجون الذوات التي تسجن أصحابها في متاهات الظنون: خداع الحكم على الناس. فالبعض يُكوِّن حكما عن الآخرين بمجرد سماعه عنهم كلاما من آخرين، دون فحص أو تفكير، بل ربما هو فقط كلام أحب هو أن يسمعه دون أن يكون بالضرورة أن ما يسمعه من شخص عن شخص ما؛ هو حقيقي بالضرورة ناهيك لأن يكون سببا لإطلاق حكم قيمة!
فالحكم على الناس لا يكون اعتباطيا، ومتى كان اعتباطيا وصدقته أوهام الناس عبر خداع الذات سيكون سبباً لمشكلات شخصية واجتماعية لا حدود لها.
وفقط حين نكف عن توظيف خداع ذواتنا في إطلاق أحكام قيمة، وليست أحكام واقع قابلة للتغيير مثلاً، يمكننا، عند ذلك، أن نكون أفراداً مستقلين وقادرين على احترام بعضنا البعض، بعيداً عن أي تشويش ينشأ من الخلط بين الذاتي والموضوعي في الحكم على الأفراد.
كثيرون من البشر؛ نتعامل معهم بظن غالب هو فقط نتيجة رؤيتنا لهم عبر أقنعة ذواتنا وإحساسنا بهم، وليس بالضرورة هو يقين متصل بحقيقتهم.
ليست أشكال البشر ولا ألوانهم، ولاما يبدو ظاهرا منهم، هو السبيل لمعرفة حقيقتهم أو لبناء رؤية معرفية صادقة عنهم.
ومثل ما يحدث مع الفرد ؛ فإن خداع الذات الذي يسجن صاحبه، كذلك يتحكم في ذهنية الجماعات. وهنا سيكون التخلف هو الدالة الرئيسية والمعيارية في ذلك.
فمثلا ؛مما هو واضح في مجتمعاتنا: أن ثمة تشويشا في أذهان كثيرين؛ يشل الرؤية، ويختطف الوعي؛ بين صورة متخلفة لفهم بالإسلام، وصورة مريضة لمعنى الوطن، فتشتبك في اللاوعي الجمعي والفردي مشاعر مشلولة يعيقها إحساس متوهم بتناقض حتمي بين الدين والوطن؛ والنتيجة: تشويش دائم وشلل إرادي وانفجار لتناقضات ذلك الوعي الشقي بالإسلام نراه، مرة، في أهوال داعش، و مرة، في فتاوى التخلف، ومرة في الصور المفككة للوعي بالتاريخ؛ تلك الصور التي تغرينا بحلم مستحيل لحياة في التاريخ.
وينشأ مما تعكسه أقنعة خداع الذات حين تسجن أصحابها؛ خلط بين شيئين منفصلين ولا علاقة بينهما؛ حيال الحكم على من يتولى قضايا الشأن العام. لكن كثيرين بفعل التخلف يقرنون بين بعضهما البعض.
فنقد المسؤول في البلدان والمجتمعات الديمقراطية، حين يحمل نعوتا قاسية لشخصيته الاعتبارية مثل: (غبي) أو (ضعيف) (جاهل) أو غير ذلك، لا يعني ذلك بالنسبة له إهانة شخصية، بل هي نعوت لطريقة ممارسته لشأن عام وموضوعي، من حق الناس أن يطلقوها حيال ممارسة المسؤول لتلك المهمة؛ لماذا؟
لأن المفترض في المسؤول الذي يتصدى لقضايا الشأن العام: أن يفصل، بوعي كامل، بين الشأن الذاتي الخاص الذي يمس شخصه وكرامته، والشأن العام الذي هو مجال تعرض نقد الناس في الفضاء العام.
حين يعتزل المسؤول العملَ في قضايا الشأن العام، ويجلس في بيته لشأنه الخاص عند ذلك لن يتعرض له الناس بالنقد. وذلك مغزى ودلالة قول الرسول صلى الله عليه وسلم لعامله « ابن اللتبية « في شأن قبوله الهدايا أثناء عمله في جمع الزكاة: (هلا جلست في بيت أبيك وأمك فتقول هذا أهدي لي).
هكذا؛ من يتصدر لقضايا الشأن العام للناس فإن النقد (وهو بالمناسبة قد يكون سلبا أو إيجابا) هو الضرورة المصاحبة لأحوال وظائف الشأن العام لكل فرد.