وتر: وجه حبيبتي الأسمر

شريفة بنت علي التوبية –

تغريني فكرة السفر، ولكني اكتشفت أن في كل سفر يسافر الحنين معي، اشتاق شمس بلادي التي هربت منها، فرغم شمسهم الباردة الخجولة، أشتاق (الغربي) الذي يهب على وجهي لهيبًا حارقًا حيث لا ينفع معه أي واقٍ للشمس بأي نسبة حماية كان، يجرفني الحنين لوجه بلادي الأسمر مرددة بصوت مسكون بحنين لا يفارق القلب: (ويعجبني سواد الوجه والكفين.. ووجه حبيبتي الأسمر) فتلك الوجوه ببشرتها السمراء التي تشبه قطعة (توست) خرجت للتو من جهاز التحميص، هي الأجمل والأكثر جاذبية، ألا تجدونهم يتحايلون للحصول على ذلك، بتمددهم ساعات طويلة تحت الشمس بينما نهرب نحن منها.
ومع كل سفر تلفتني حياتهم في استمتاعهم بكل لحظة فيها، فالحياة لديهم لا تتوقف مهما كانت أعمارهم، فرجل السبعين يعمل وامرأة الثمانين تعمل، ونحن ننزع كل أسباب الحياة من عمر الخمسين والستين، فنموت قبل الموت، نتهيأ للرحيل ونبدأ بالبحث عن قبر يليق بتلك النهاية المبّكرة لندفن أنفسنا فيه، فالتقاعد معنا يعني النهاية والتقاعد معهم يعني البداية.
تلفتني حياتهم الاجتماعية فلا يتزوجون إلا وهم بحالة حب واقتناع، ولكننا قد نتزوج لإرضاء العائلة ونهتم بالإطار الاجتماعي للصورة أكثر من أصلها، وقد يتزوج الرجل منا بامرأة لا يحبها، فقط لأن عليه إكمال نصف دينه، وقد تتزوج المرأة بمن لا تُحب حتى لا يفوتها قطار الزواج ويقال (عانس)، وقد تستمر في حياة لا تحبّها حتى لا يقال (مطلّقة)، فتلك الكلمات ترعبنا وتهز الثقة في أنفسنا، نحرص على إنجاب أكبر عدد من الأبناء لنزيّن بهم حياتنا، وننسى أمام هذه الزينة أن صناعة الإنسان أصعب ما يمكن صناعته، وأن التربية أهم من الإنجاب.
مما يلفتني أيضا في شوارع المدن الغربية ومقاهيها، منظر عجوزين يتناولان القهوة بمحبّة لا تخفى على الناظر، يسيران معًا يتكئ أحدهما على الآخر، يتناولان البوظة في أحد الأرصفة كعاشقين في العشرين، ونحن في مثل عمريهما نكون قد أصبنا بالسكّر والضغط وأمراض أخرى صديقة للشيخوخة، إنهم يستمتعون حتى اللحظة الأخيرة، غير عابئين بثقل السنوات في أعمارهم، بينما نحن نئن تحت وطأة العمر ونغنّي بحسرة (ألا ليت الشباب يعود يومًا) وننسى أن اللحظة الأجمل في الحياة هي اللحظة التي نحياها والتي ما زالت بين أيدينا، وما العمر سوى سفر عابر، والإنسان مسافر، ولكن مهما لفتتني تلك الوجوه الفاتنة، لا شيء يعجبني سوى وجه حبيبتي الأسمر.