خليفة بولتون سيعاني لإرضاء ترامب

ريتشارد هاس – الفاينانشال تايمز –
ترجمة قاسم مكي –

لقد حان الوقت لمحاولة التفاوض حول اتفاق ضبط تسلح تقليدي يتم بموجبه رفع قدر من العقوبات مقابل وضع قيود على البرامج النووية والصاروخية لكوريا الشمالية. ويمكن أن يساعد مستشار جديد للأمن القومي على هيكلة مثل هذا الاتفاق.
« سيك ترانزيت جلوريا موندي». هذا ما كان يقال باللغة اللاتينية في روما عندما يخلى أحد بابوات الفاتيكان منصبه لبابا آخر. ترجمة هذه العبارة «هكذا يزول المجد في هذا العالم». إنها تذكير لخليفة البابا بأن يتواضع. فهو يوما ما «سيزول» أيضا. ويبدو أن هذا المجد زائل خصوصا لمستشاري الأمن القومي الأمريكيين. فنحن لدينا الآن ثلاثة منهم في أقل من ثلاث سنوات. وآخر من تم اقتياده إلى باب الخروج هو جون بولتون الذي قيل أنه والرئيس ترامب كثيرا ما اختلفا حول قضايا كبيرة.
كان بولتون على استعداد للذهاب إلى الحرب ضد كل من كوريا الشمالية وإيران. واعتبر الدبلوماسية في أفغانستان فخا منصوبا. كما فضل تبني سياسة المواجهة تجاه روسيا. وسعى أيضا إلى بناء روابط أوسع مع تايوان.
أما ترامب الذي انتخب وهو ينتقد الحروب في العراق وأفغانستان فقد كان مستعدا للتهديد بالحرب ولكن ليس إشعالها. وكان يريد علاقات وثيقة مع روسيا ولا مانع لديه من المواجهة مع الصين لكن فقط إذا كانت اقتصادية.
لقد كثرت التكهنات حول خليفة بولتون لكن الحقيقة هي أن هذا الخليفة (رجلا كان أو امرأة) سيكون أكثر أهمية حين يتعلق الأمر بتفاصيل السياسة الخارجية للولايات المتحدة وليس اتجاهها الذي سيستمر الرئيس في تحديده.
يرتدي مستشار الأمن القومي قبعتين (يلعب دورين). فهو مستشار الرئيس الذي عليه أن يزوده بأفضل النصائح. لكن الأهم من ذلك القبعة الأخرى. إنها قبعة الوسيط النزيه. فمستشار الأمن القومي (رجلا كان أو امرأة) هو الشخص يضمن استماع الرئيس إلى طيف واسع من آراء أولئك الذين لديهم مصلحة في السياسة «قيد النظر». ويتمسك بوجوب اتخاذ القرار فقط بعد التداول المستفيض. ثم يراقب عن كثب تطبيق السياسات التي يتم اعتمادها.
التحدي (الذي يواجه مستشار الأمن القومي) هو عدم السماح لتفضيلاته الشخصية بالتدخل في الإجراءات الواجبة الاتباع في أداء عمله. لقد فشل البعض (بمن فيهم بولتون) في ضبط الأمور. فبدون الصرامة في التقيد بهذه الإجراءات لا يتم تضمين معلومات هامة وتتخذ القرارات دون اعتبار كاف لتحديات وتكاليف تطبيقها.
لقد تجسد ذلك في كارثة قرار الذهاب إلى الحرب ضد العراق عام 2003 والذي اقترن به أيضا عدم الاستعداد لما بعدها.
يمكن المحاجة بأن بولتون افتقر إلى القدرة على التقدير بل وأكثر من ذلك لم يكن يملك المزاج اللازم للقيام بعمله. لكن من الصعب تخيل نجاح أي أحد في بيئة لا يثق فيها الرئيس بالاستخبارات وتتخذ فيها القرارات في لمح البصر وتذاع عبر «تويتر». كما تتداخل فيها السلطات وتفتقر إلى الوضوح.
في هذا السياق سيكون المستشار الجديد حكيما إذا ركز على التفاصيل. لنأخذ كوريا الشمالية مثالا لذلك. فقد أعقبت التهديدات الفارغة بالويل والثبور نداءات فاشلة لكوريا الشمالية بالتخلي عن كل أسلحتها النووية. فهي لم تستجب لهذه النداءات فحسب بل زادت من حجم ترسانتها النووية.
لقد حان الوقت لمحاولة التفاوض حول اتفاق ضبط تسلح تقليدي يتم بموجبه رفع قدر من العقوبات مقابل وضع قيود على البرامج النووية والصاروخية لكوريا الشمالية. ويمكن أن يساعد مستشار جديد للأمن القومي على هيكلة مثل هذا الاتفاق.
أما بالنسبة لإيران فقد فرضت الإدارة الأمريكية ضغوطا عليها لكنها تفتقر إلى وضوح الهدف. كما أن تغيير النظام الذي يفضله بولتون ليس احتمالا جادا.
يميل ترامب إلى عقد اجتماع قمة ( مع الإيرانيين). لكن ماهو الهدف منه؟ وما الشيء الذي هو على استعداد لتقديمه إلى الإيرانيين لكي يحصل على هذا الاجتماع؟ من الأفضل له أن يقرر بسرعة. فنحن نتجه بلا هدى نحو الحرب.
وهذا وضع يناقض رغبة ترامب في إنهاء النزاعات الحالية في الشرق الأوسط وتجنب نشوب نزاعات أخرى جديدة.
هنا مرة أخرى يمكن لخليفة بولتون أن يساهم في صياغة مقترح معقول يقيد التصرفات الإيرانية في المجال النووي وربما في المجالات الأخرى مقابل خفض الضغوط الاقتصادية.
ثم نأتي إلى موضوع أفغانستان. لقد كان الدافع وراء اجتماع كامب ديفيد المجهض الرغبة في سحب القوات الأمريكية من أفغانستان. ذلك ممكن ولكن ليس السلام، طالما بقيت طالبان في أفغانستان وظلت تحصل على الملاذ الخارجي. من المرجح أن الانسحاب سيوجد ظروفا تكون فيها أفغانستان مرة أخرى مهددا إرهابيا.
وهنا كان بولتون مصيبا أكثر منه مخطئا. يمكن لخليفته التركيز على إبطاء الانسحاب الأمريكي أو (وهذا أفضل) إضافة شروط إلى الانسحاب بدلا عن معارضته من أول وهلة.
السؤال الحاسم بالنسبة لهذه التحديات وغيرها هو: هل الرئيس راغب في تضييق الفجوة بين أهدافه وبين ماهو مستعد لعمله من أجل تحقيقها؟ فهو عليه إما تقليص أهدافه أو زيادة جهوده. إن تقليص الأهداف أكثر انسجاما مع أجندة شعار ترامب «أمريكا أولا». ومن الممكن جدا، كنتيجة لذلك، أن تحتل الدبلوماسية مقدمة المسرح لرئيس يستعذب اجتماعات «القمم» ولديه ثقة طاغية في قدراته الشخصية.
كانت إدارة جورج بوش الأب هي الأنجح في أداء مهام الأمن القومي في العقود الأخيرة. لقد وضع الرئيس ثقته في برينت سكوكروفت مستشاره للأمن القومي. وكانت لدى سكوكروفت آراء قوية لكنه لم يدعها تتدخل في إخلاصه للإجراءات التي يلزمه اتباعها في أداء عمله. لكن سكوكروفت كان يتمتع بميزة كبيرة. فهو ورئيسه كانا متوافقي النظرة تقريبا. قد لا يحظى خليفة بولتون بهذه الميزة. وربما عليه أن يضع ذلك في اعتباره قبل قبوله بتولي المنصب.
* الكاتب رئيس مجلس العلاقات الخارجية. عمل سابقا بوزارتي الدفاع والخارجية وأيضا في البيت الأبيض أثناء فترة رئاسة جورج بوش الأب