مجلس الأمن والحرب اليمنية

عوض بن سعيد باقوير صحفي ومحلل سياسي  –

إن المسار الصحيح لإنهاء الحرب هو ما دعت إليه السلطنة في بيان وزارة الخارجية وهو ضرورة ان يلتقي الفرقاء وان يكون للأمم المتحدة دورها ومواصلة جهودها ولعل المنطق السياسي الواقعي التي تتميز به السلطنة من خلال دبلوماسيتها هو الذي سوف يفرض نفسه في نهاية المطاف.

وصلت الحرب الكارثية في اليمن التي تدخل عامها الخامس دورتها الأخيرة وأصبح من الصعب ان لم يكن من المستحيل حسم تلك الحرب عسكريا، ومن هنا فإن تداعيات تلك الحرب على الأمن والاستقرار في المنطقة يعطي مبررا موضوعيا لتدخل مجلس الأمن الدولي بقرار ينهي تلك الحروب تمهيدا لإطلاق حوار يمني- يمني لإيجاد مقاربة سياسية قد تقترب من النموذج السوداني خاصة شكل الدول اليمنية ومسألة الفترة الانتقالية تمهيدا للانتخابات الرئاسية والتشريعية وخروج اليمن من نزيف الحرب التي أوجعت الشعب اليمني في مقدراته وحياته اليومية.
كما أن إنهاء الحرب سيكون في مصلحة دول التحالف الذي تقوده السعودية وقد يمهد ذلك لحوار خليجي- إيراني لإنهاء أزمات المنطقة بشكل كامل في ظل التوتر الحالي وتمدد التهديدات التي طالت عددا من المنشآت النفطية في شرق السعودية وهو تطور خطير له تأثيراته على الأمن وإمدادات الطاقة في العالم.
إن عدم تدخل مجلس الامن لإنهاء تلك الحرب سوف يفاقم المشكلات في المنطقة وقد تخرح الحرب في اليمن عن مسارها لتندلع حرب إقليمية كارثية ومن هنا فإن مجلس الأمن أمام مسؤولية تاريخية للقيام بدوره الاساسي في ضرورة الحفاظ على الأمن والسلم في العالم وما ينطبق على اليمن ينطبق كذلك على الحرب في سوريا وليبيا وبقية الأزمات الإقليمية.

مجلس الأمن الدولي
شهدت الأمم المتحدة في السنوات العشر الاخيرة تراجعا واضحا في مسألة القيام بأدوار حاسمة على صعيد الصراعات والحروب وأصبح الوسطاء يقومون بدور المجلس وأصبح هذا الأخير منصة للتجاذبات السياسية بين الدول الكبرى خاصة الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية كما حدث خلال مناقشة الازمة السورية وعدد من القضايا الاخرى وهذا قلل من دور مجلس الأمن والذي يفترض ان يأخذ زمام المبادرة وتغليب مصلحة العالم في استتباب الأمن والاستقرار.
ان تظاهرة الجمعية العامة للأمم المتحدة السنوية هي تظاهرة سياسية معنوية لا تحسم أي صراع كما أن قراراتها غير ملزمة وربما تكون الاجتماعات الثنائية بين قيادات الدول هي الأكثر ايجابية ومن هنا يبرز دور مجلس الأمن والذي تعد قراراته ملزمة ومع ذلك فإن اسرائيل تعربد في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عقود دون تدخل حاسم من مجلس الأمن لأن الفيتو الأمريكي حاضرا لدعم الكيان الاسرائيلي.
ولعل الحرب اليمنية هي نموذج صارخ على عجز مجلس الأمن عن اتخاذ قرار حاسم لوقف تلك الحرب القاسية على الشعب اليمني ومقدراته خاصة وان الدول الغربية ومنها واشنطن تدعو إلى وقف الحرب خاصة برلمانات تلك الدول ووقف بيع السلاح إلى الأطراف المتحاربة.
إن التطورات الخطيرة في مسار الحرب في اليمن والتي تهدد الملاحة في المنطقة ومقدرات الدول تحتاج الى وقفة جادة من المجتمع الدولي لإنهاء هذه الحرب لأن استمرارها والمكابرة بعدم وقفها سوف يؤدي الى كارثة حقيقية لليمن والمنطقة على حد سواء وهنا يبرز السلوك العقلاني لإدارة الأزمات وهو ان الحروب لها دورة محددة تصل مداها وهي حالة اللاحسم في المفهوم العسكري وهنا تصل الأطراف الى حالة استراتيجية يكون توقف الحرب والحوار حالة منطقية.
ولاشك أن بيان السلطنة الأخير المعلن من قبل وزارة الخارجية عن ضرورة جمع الفرقاء على طاولة الحوار هي دعوة جديرة بالتوقف والاستجابة من تلك الاطراف داخل اليمن والتحالف وايضا المبعوث الأممي مارتن جريفيث، كما ان استعداد السلطنة للمساعدة في ايجاد السلام المنشود هو دور عماني متواصل منذ اندلاع الحرب في اليمن، حيث تدرك السلطنة ومن خلال خبرة سياسية وحتى عسكرية بأن الحروب تنتهي دوما بالكوارث وهي حذرت من نتائج تلك الحرب في اليمن وعلى ضوء ذالك فان مجلس الأمن الدولي عليه ان يقر في اجتماع طارئ قرارا ملزما بوقف الحرب والدعوة الى حوار بين الفرقاء وخلق مناخ يتسم بالهدوء ومعالجة الازمة اليمنية بشكل موضوعي بعيدا عن المصالح الضيقة.

خطورة الحرب
تاريخيا الحرب في اليمن هي مستنقع حقيقي وهناك شواهد تاريخية في هذا الإطار وهذا يعود الى الجغرافيا اليمنية وطبيعة الحرب والعامل القبلي وعوامل استراتيجية تجعل من الحرب في اليمن معقدة، كما هو الحال في افغانستان حيث فشلت الولايات المتحدة بكل قوتها العسكرية على مدى عقدين في القضاء على حركة طالبان واضطرت للجلوس على طاولة الحوار مع قيادات طالبان في الدوحة بصرف النظر عن توقف تلك المحادثات لكن المعيار الحقيقي في النهاية هو الحوار وعدم المكابرة في مواصلة الخيار العسكري.
الحروب هي استنزاف حقيقي للدول اقتصاديا وسياسيا وحتى أخلاقيا، ومن هنا خطورة الحرب في اليمن تتعدى الجغرافيا اليمنية في ظل صراعات خفية بين الدول او كما يقال الحرب بالوكالة وهذا يعد خسارة كبيرة لمقدرات الشعوب التي تنشد السلام والاستقرار وان تحل الخلافات بالطرق السلمية.
ان دخول تلك الحرب عامها الخامس يعطي مؤشرا لأي عسكري او استراتيجي بأن تلك الحرب غير النظامية لايمكن حسمها وهي اشبه بحرب العصابات في الجبال والمناطق المعقدة جغرافيا علاوة على تبدل الولاءات والمواقف والاستغلال لتلك الحروب هي مسألة موجودة ومارستها الدول منذ عقود ومن هنا فإن الحل المنطقي الذي يحافظ على المقدرات هو انهاء تلك الحرب بشكل فوري.
وحتى اذا تم التسليم جدلا بالسيطرة الميدانية على كل اليمن فإن ذلك لن يحل الأزمة بل قد يدخلها في دهاليز اكثر تعقيدا وتدخل اليمن في حروب اهلية متفرقة في محافظاتها المختلفة وهناك بوادر بدأت تتضح معالمها في بعض المحافظات الجنوبية في الآونة الاخيرة وهذا مؤشر خطير قد يمزق الدولة اليمنية العضو في الأمم المتحدة والجامعة العربية والمعترف بها في كل المحافل الاقليمية والدولية ولعل الإشكال الأساسي الذي ادى الى تدهور الاوضاع الانسانية في اليمن هي الطموحات غير المنضبطة للبعض مما جعل اليمن تعيش اوضاعا فوضوية كما حدث في عدن والصراع بين الاجنحة المتصارعة في جنوب اليمن خاصة قوات الشرعية وما يسمى بالمجلس الانتقالي الذي يدعو الى الانفصال.

مسار الأزمة
وعلى ضوء ما تشهده الحرب من صراع ارادات بين المتحاربين فإن الاصرار على الحرب لن يجدي شيئا وسوف يصعد التوتر والهجمات المتبادلة لتخرج الحرب عن مسارها وسوف يكون الجميع خاسرا في نهاية المطاف.
إن المسار الصحيح لإنهاء الحرب هو ما دعت اليه السلطنة في بيان وزارة الخارجية وهو ضرورة أن يلتقي الفرقاء وان يكون للأمم المتحدة دورها ومواصلة جهودها ولعل المنطق السياسي الواقعي التي تتميز به السلطنة من خلال دبلوماسيتها هو الذي سوف يفرض نفسه في نهاية المطاف خاصة وأن الجميع يتطلع الى نهاية تلك الحرب والتي اوجدت أكبر كارثة انسانية في التاريخ حسب تقارير الأمم المتحدة ومن هنا فإن مجلس الأمن لا بد ان يقوم بالخطوة الأهم في هذه المرحلة أولا بقرار انهاء الحرب حتى تنطلق المفاوضات في ظل مناخ يسوده الهدوء بعيدا عن اصوات الرصاص، وبدون ذلك فان تداعيات تلك الحرب سوف يكون لها نتائج في غاية الخطورة على الامن في المنطقة.
إيقاف الحرب هو قرار واقعي في ظل ماحدث من هجمات على السفن في منطقة الخليج وايضا على المنشآت النفطية الحيوية في السعودية وهو أمر مؤسف ان تتطور تلك الحرب الى هذا المستوى من الخطورة، لذا فان الامر يحتاج الى حسم لوقف تلك الاخطار على أمن وسلامة المنطقة والحفاظ على مقدرات شعوبها وان يكون الحوار هو الآلية التي تنهي الحرب بشكل موضوعي.