الانقسام في أمريكا حول الحرب التجارية مع الصين

عاطف الغمري –

صار بروز الصين كقوة كبرى، أحد المعالم الرئيسية للمشهد العالمي المعاصر. كثيرون من خبراء الاستراتيجية الأمريكية خاصة من الجمهوريين ينظرون إلى هذا التطور بانزعاج، ويطالبون باستراتيجية جديدة لاحتواء الصين. بينما يوجد تيار بين المحافظين الأكثر اعتدالا يحملون نظرة أكثر نزوعا للتهدئة.
ولما كان أنصار الجناح المتشدد هم من الداعين للهيمنة الأمريكية على العالم، وعدم السماح بوجود قوة دولية منافسة للولايات المتحدة، وأن النظام الدولي الجديد يجب أن يتشكل حسب شروطهم، فإن مما يزيد من حدة نظرهم تجاه الصين، أن سياساتها وكذلك التوقعات المترقبة على برامجها للتطور الاقتصادي، والتكنولوجي، والعسكري، تنحصر في حدود الصين، بل يتجاوز تأثيرها المجالات الإقليمية إلى العالم بشكل عام.
لكن التيار الآخر الرافض لمفهوم الاحتواء، يدعو إلى محاولة دفع الصين لتكون جزءا من النظام الدولي، وترك الصين تمضي في مسارها الطبيعي عن طريق التحديث، وتفادي القيام بأية أعمال استفزازية تؤثر على الوضع الاستراتيجي للولايات المتحدة في آسيا، خاصة ما يتعلق بحلفائها في هذه المنطقة.
لكن الوضع بالنسبة لموقف الولايات المتحدة من الصين، اتخذ منحى يحول دون انتشار وقوة وجهة النظر الثانية هذه، وذلك للإجراءات التي اتخذها ترامب وأشعلت حربا تجارية بين البلدين، وهو ما زاد من تشدد التيار الذي يروج لوجهة نظره القائلة بأن الصين بما تحققه من صعود تكنولوجي واقتصادي صارت تمثل تهديدا للولايات المتحدة، وأيضا للنظام الدولي، خاصة وأن ما حققته الصين في هذه المجالات خلال عشرات السنين الأخيرة، قد جعل منها قوة فعالة في الشؤون الدولية.
ويخشى هؤلاء من أن يترتب على أن يؤدي التركيز على النمو الاقتصادي الصيني، أن يحل محل مركزية الاقتصاد الأمريكي في النظام العالمي، خاصة وأن الصين توسع من شبكات تعاونها للمصلحة المتبادلة، مع مناطق عديدة في العالم، أبرزها إفريقيا. كما ينظرون بقلق لا حدود له لخطة «صنع في الصين لعام 2025»، والتي تهدف إلى بسط سيطرة التكنولوجيا الصينية في العالم، وفي الفضاء الخارجي، وهو ما قد يسمح لها بالإمساك بزمام اقتصاديات التكنولوجيا الحديثة.
أمام هذا التحرك في المجال المقابل للحرب التجارية الدائرة فعلا، اتجهت الولايات المتحدة إلى التركيز على ضمان عقد سلسلة من الاتفاقيات التجارية مع كوريا الجنوبية، والمكسيك، وكندا، في بداية صياغة شراكة متجددة مع دول آسيا/‏‏ الباسفيك، وفق اتفاقات أخرى جديدة.
ويأتي هذا التحرك، وسط جو من ازدياد التوترات الاقتصادية، والأمنية، بين الولايات المتحدة والصين، وبعد أن فرضت الولايات المتحدة ضرائب جمركية جديدة على واردات صينية من السلع، تصل إلى 250 مليار دولار، مع فرض ضرائب إضافية على وارداتها من الصلب، والألمنيوم، والغسالات، من إنتاج الصين، وفرض قيود على الاستثمارات الصينية في قطاعات حساسة من الاقتصاد الأمريكي، ومحاولة موازنة تصاعد نفوذ الصين في دول نامية، عن طريق إغراءات بمساعدات من المعونة الخارجية.
لكن ذلك لم يوقف تحرك الصين نحو استكمال خططها بمزيد من اتفاقيات التجارة الحرة مع آسيا، عن طريق أنظمة المشاركة الإقليمية التجارية في الإنتاج المشترك، والذي يقلل من فرض تعريفة جمركية على الصادرات والواردات بين هذه الدول في آسيا، ويربط الأسواق الإقليمية بدرجة وثيقة مع الصين.
إن ما يجري على الجانبين وإن كان يمثل نوعا من الحرب التجارية، إلا أنه يشكل في النهاية انتعاشا تجاريا لدول عديدة في آسيا، يحاول كل جانب إلى أن يجذبها إلى جانبه.
وإذا كانت الإجراءات الأمريكية التي اتخذت مسارا متشددا منذ رئاسة ترامب، إلا أنها لن تنجح بأي حال في وقف صعود الصين في المجالات الإنتاجية والأمنية التي تعد منافسة للولايات المتحدة، أو أن توقف تصاعد نفوذ الصين في التأثير على الإستراتيجية العالمية، وصياغة النظام الدولي الجديد، وهو ما تتفق عليه كبريات المؤسسات الإستراتيجية والاقتصادية الأمريكية.