إدارة عصرية للتراث الأثري

يعتبر التراث الأثري في السلطنة من الكنوز التي تحمل بصمات الأجداد، وتدل على جهودهم الكبيرة التي قاموا بها لأجل الأرض والوطن، وفي الوقت نفسه فهي تحمل صورة متجددة تمتد إلى الزمن الحاضر؛ لأن قيمة أي شعب أو أمة في تصورات الإرث والموروث التي تتجلى في الراهن ولكن بطريقة جديدة تأخذ بالإيجابيات وتعزل السلبيات، تقوي نقاط القوة وتستثني نقاط الضعف.
في هذا الإطار يمكن الحديث عن حلقة العمل الدولية المقامة بنزوى التي تركز على «التطبيقات العملية لتوصيات صلالة لإدارة المتنزهات والمواقع الأثرية»، وتستمر لمدة أربعة أيام إلى 19 من الشهر الجاري.
ولعل إثارة هذا الجانب وتحريكه في إطار حضور معتبر لعدد من الخبراء في مجال الآثار يشير أول الأمر، إلى الاهتمام الكبير لحكومة السلطنة بهذه القضايا المستقبلية في المقام الأول، إذ أنها تأخذ بيد الماضي إلى المستقبل مرورًا بنوافذ اليوم، ولابد أن ذلك يخدم في الكثير من الموضوعات لاسيما تكاملية المشهد التنموي والقراءات الأكثر حداثة لمعنى النماء المستدام، الذي يجمع بين القيم الثقافية والمعرفية والجوانب الاقتصادية وغيرها من مسارات الحياة والقطاعات المتعددة.
إن الحفاظ على الأماكن الأثرية وإدارتها وفق أحدث المناظيم العصرية والتقنيات الجديدة يشكل أولوية مستمرة لا غنى عنها في سبيل الاندماج في قيم الحداثة والعصر، مع المحافظة في الوقت نفسه على الإرث الثري للسلطنة في هذا الباب، حيث تتمتع عمان بكم زاخر من الأماكن الأثرية والتراثية التي تخدم فرص المستقبل في السياحة والتنمية الثقافية عامة.
ولا يحتاج أحد على التأكيد على الاهتمام السامي الذي توليه القيادة لقضايا التراث الثقافي في البلاد الذي يشكل إرثًا إنسانيًا طويل المدى له عمقه في جذور التاريخ العماني، ويحمل دلالته المستمرة إلى الزمن المعاصر، وكل ذلك ضروري ومهم في تعزيز معاني المواطنة والانتماء والهوية الثقافية وغيرها من هذه القيم الأساسية لبناء الشعوب.
وخلال سنوات النهضة الحديثة ومنذ السبعينات وإلى اليوم فقد تمت العديد من العمليات الأثرية والمسوحات التي تهيئ الفرصة لفهم أفضل للمكان واكتشاف موهبة الأرض، وكل ذلك يقود بلاشك إلى تعزيز القيمة المضافة للدلالة الثقافية، ويساهم في محصلة صورة الفضاء التنموي العام، بما يخدم كذلك قضايا التنويع الاقتصادي المنشود عبر السياحة والصناعات الثقافية وغيرها من القطاعات الجديدة، لاسيما أن السلطنة عملت على تحويل هذه الأماكن الأثرية إلى متنزهات حقيقية ذات طابع علمي ومعرفي وثقافي وإنساني، تتعلم منها الأجيال، ويتعرف من خلالها الزوار والسياح على التاريخ والإنسان في رحلته مع الأرض والمكان عبر الزمن، كما تضفي العديد من المعاني الأخرى التي لا حصر لها.
أخيرًا يجب التأكيد على ثراء تراث السلطنة وقدرتها على المساهمة بهذا الموروث الغني في الحضارة الإنسانية بما يعزز دورها في صناعة الثقافة العالمية والسلام وكافة المعاني المشتركة بين الأمم.