واشنطن وأنقرة .. وسياسة العصا والجزرة

مروى محمد إبراهيم –

«نجحنا في القضاء على إرهابيي داعش ..وحان الوقت للخروج من سوريا».. بهذه التغريدة المفاجأة أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خططه للانسحاب من سوريا نهاية العام الماضي، مؤكدا أن دوره هناك كان يتمثل في القضاء على داعش . ومن وجهة نظره، فقد أتم المهمة بنجاح. وآن له أن يفي بتعهداته الانتخابية بالخروج من بؤر الصراعات والحروب التي ورطه فيها أسلافه الرئيسين السابقين الديمقراطي باراك أوباما وجورج بوش الابن. ولكن سرعان ما تراجع ترامب عن هذا القرار، بضغط من كبار رجال إداراته ومع إدراكه مدى التعقيدات في الوضع الراهن في سوريا وكيف أن هذا الانسحاب سيتيح الفرصة أمام قوى معادية وأخرى شبه حليفة- لبسط سيطرتها على المنطقة، وتهديد المصالح الأمريكية في هذه البؤرة الساخنة من العالم، لتطفو الخلافات مجددا بين الجانب الأمريكي وبين تركيا الحليف غير المرضي عنه، خاصة وأنهما رغم تحالفهما إلا أنهما دخلا سوريا وأشعلا الصراع فيها وسط خلاف جوهري حول مصير الأكراد في المنطقة.
فعلى الرغم من تعامل واشنطن مع الأكراد على أنهم ذراعها المحارب في المنطقة، منذ بداية غزوها للعراق وحتى الآن، مستغلة في ذلك حاجتهم التاريخية للاعتراف بهم ومنحهم أرضا يمكن اعتبارها بلادهم المستقلة، إلا أن تركيا هدفها الرئيسي دوما هو القضاء عليهم نهائيا. ولكن برز الخلاف بهذا الصدد بين الطرفين التركي والأمريكي، مع تهديد ترامب بفرض عقوبات اقتصادية على تركيا في حالة استخدامها القوة العسكرية ضد الأكراد، في حالة خروج أمريكا المزعوم من سوريا في يناير الماضي. ليصل الصراع إلى أوجه بين الطرفين. فعلى الرغم من تعاونهما الظاهري إلا أن هذه النقطة الفيصلية بالنسبة لتركيا أثارت الشقاق في التحالف بين أنقرة وواشنطن.
في البداية، لابد من الإشارة إلى أنه منذ تدخل أمريكا العسكري في سوريا عام 2011- بعد موجة الربيع العربي المغرضة- منحت واشنطن الأسلحة والتدريب العسكري لفصائل المتمردين الذين طالما وصفتها في ذلك الوقت بأنها فصائل معتدلة لأنها خدمت أغراضها-. لكن الولايات المتحدة أنهت المساعدات العسكرية في عام 2017 وخفضت في وقت لاحق حوالي 230 مليون دولار كانت مخصصة لإعادة الإعمار. وقدمت أمريكا كذلك الدعم الجوي والأسلحة للقوات الديمقراطية السورية، وهو تحالف من القوات الكردية والعربية التي تقاتل عناصر تنظيم داعش الإرهابي في شمال سوريا. كما نشرت عدة مئات من القوات الخاصة الأمريكية إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية.
وفي محاولة لتبرير دورها في سوريا، وحشد القوى الدولية لدعمها، أكدت واشنطن أن تدخلها في الشرق الأوسط يأتي في إطار حربها الدولية على الإرهاب، وهو ما ساعدها على قيادة تحالف دولي من حوالي 60 دولة، بما في ذلك ألمانيا، تستهدف داعش وغيرها من الجماعات الإرهابية من خلال شن غارات جوية منذ أواخر عام 2014. وتجنبت الولايات المتحدة إلى حد كبير الصراع المباشر مع الجيش السوري. ولكن في عام 2017، أصدر الرئيس الأمريكي أوامره بشن غارات جوية على قاعدة جوية سورية رداً على هجوم حكومي بالأسلحة الكيماوية ضد المدنيين. ولكنه فاجأ الحلفاء في نهاية العام الماضي عندما أعلن الانسحاب الأحادي للقوات الأمريكية في سوريا ، قائلاً: «لقد هزمنا داعش في سوريا». وأثار حالة من البلبلة بين الدول المشاركة في التحالف الدولي، وأصبح الغموض يكتنف الموقف إلى حين تراجعه عن الرغبة في الانسحاب، الذي كان في حقيقة الأمر يخدم أغراضا انتخابية لترامب، فهو لا يكترث كثيرا بحقيقة الوضع على الأرض في سوريا.
على مدار الفترة الماضية، وحتى الآن، أكدت الولايات المتحدة التزامها بمحاولة تدمير داعش في سوريا والعراق. ومع ذلك ، أصبحت نواياها بشأن قضايا أخرى غير واضحة. ففي عام 2017 ، أكد ترامب لوسائل الإعلام أن الولايات المتحدة «لا علاقة لها بسوريا سوى تدمير داعش». لكن حتى هذه اللحظة، كانت متورطة بعمق في التوسط لوقف إطلاق النار بين الحكومة والمعارضين. وأعطت إدارة ترامب إشارات متضاربة حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستعارض اتفاق سلام. فهي تسعى أيضًا إلى منع إيران وحزب الله الشيعي اللبناني من إقامة وجود دائم في سوريا يمكن أن يهدد الكيان الإسرائيلي الحليف الأهم لأمريكا.
وعلى الرغم من تأييد واشنطن لمحادثات السلام التي عقدتها الأمم المتحدة في جنيف منذ عام 2012 بين ممثلين عن الحكومة السورية والمعارضة. لكن تلك المحادثات فشلت حتى الآن في تحقيق انفراجه. فالخلافات بين كافة الأطراف حالت بالتأكيد دون التوصل إلى أي تفاهمات.
في أغسطس الماضي، توصل الجانبان التركي والأمريكي إلى اتفاق من شأنه تحديد «مناطق آمنة» شمال شرق سوريا، بهدف حماية الحدود التركية من المليشيات الكردية، التي تعتبرها أنقرة جماعات إرهابية. وعلى الرغم من تأكيد واشنطن مرارا إدراكها لمخاوف تركيا الأمنية، إلا أن هذا لم يمنعها من إرسال نحو 50 ألف شاحنة من المعدات والذخيرة على مدى الشهور الماضية للقوات الكردية في المنطقة، أو القوات الموالية لها.
حتى الآن، انسحبت القوات التي يقودها الأكراد على عمق 14 كيلومتراً من الحدود وأزالت مواقع دفاعية وسواتر رملية وخنادق. لا يزال عمق المنطقة، وكذلك من سيحكمها، قيد التفاوض.
وفي ظل التقارب الروسي- التركي، من خلال صفقات سوخوي 300 و400، ازداد الشقاق بين أنقرة وواشنطن. وبلغ الأمر حد التهديد الأمريكي بفرض عقوبات على تركيا. وعلى الرغم من الاعتقاد التركي بأن اللقاء المرتقب بين الرئيس رجب طيب أردوغان وترامب قد يسهم في تقريب وجهات النظر، خاصة في ظل مطالبة الرئيس الأمريكي للكونجرس بإبداء المرونة إزاء احتمالات فرض عقوبات على تركيا.
لكن الخلافات وانعدام الثقة بين الجانبين، تحول دون إتمام هذا الهدف. فالأمر لم يعد يقتصر على سوريا ولكن امتد ليصل إلى حالة من التعنت التركي مع الولايات المتحدة، من وجهة النظر الأمريكية على الأقل.
من وجهة نظره، الرئيس الأمريكي كان يسعى للخروج من سوريا، في محاولة لكسب نقطة ترجح كفته في الانتخابات الرئاسية المرتقبة في 2020. ولكن الموقف التركي كان أحد العوامل التي حالت دون هذا الخروج وأصبح تحالفه مع أنقرة نقطة ضده وليست معه فيما يتعلق مع القوات الكردية الموالية له، التي تسعى أنقرة لتدميرها. كما أن شراء تركيا للصواريخ الروسية، ربما تكون أسوأ ضربة للعلاقات بين البلدين، خاصة من وجهة نظر ترامب.
فترامب طالما تفاخر بنجاحه في الترويج للسلاح الأمريكي. واعتبر أن الدبلوماسيين الأمريكيين بمثابة مندوبي مبيعات للسلاح الأمريكي. وبالتالي، فإن عقد أنقرة مثل هذه الصفقات مع موسكو يعتبر خيانة للرئيس الملياردير. ويقضي على الأمل المتبقي لتحسين العلاقات فيما بينهما.
ولكن الرئيس الأمريكي- كرجل أعمال قبل أن يكون سياسيا- يؤمن دوما بسياسة العصا والجزرة في التعامل مع خصومه. فهو بحاجة إلى الكثير من الحنكة في التعامل معهم لتحقيق أقصى استفادة منهم. وبالتالي، فإنه سيمنح أنقرة بعض الوقت لخدمة المصالح الأمريكية في سوريا- على أقل تقدير- وإثبات ولائها لواشنطن فهي القوة الداعمة لأمريكا على الأرض في مواجهة القوة الإيرانية والروسية أيضا. فالتقارب الروسي- التركي لم يصل حتى الآن إلى حد التحالف ضد أمريكا في سوريا. والسؤال الآن هل تنجح سياسة العصا والجزرة الأمريكية في ترويض الحليف التركي؟