المنطقة الآمنة وحسابات الأزمة السورية

عوض بن سعيد باقوير صحفي ومحلل سياسي  –

إن سوريا في المحصلة الأخيرة هي دولة ذات سيادة ووجود منطقة آمنة يرتبط فقط بوضع الحرب وتواجد الفرقاء وفي ظل نهاية الحرب والحل السياسي بين الفرقاء السوريين فإن وجود المناطق الآمنة لن يكون مقبولا للسوريين بشكل عام ومن هنا فان هذه الآلية المؤقتة لابد أن توضع في الحسبان حتى لا تتحول المنطقة الآمنة إلى منطقة دائمة ولعل التفاوض يجري على هذا الأساس.

منذ اندلاع الحرب في سوريا والتدخلات الإقليمية والدولية فيها أصبح الوضع السوري أكثر تعقيدا من خلال الإصرار التركي على وجود المنطقة الآمنة في شمال سوريا في ظل وجود قوات سوريا الديمقراطية الكردية كما أن الوجود الروسي بشكل خاص والقوات الإيرانية وقوات المعارضة السورية في محافظة ادلب قد عقد المشهد السوري والذي يبحث عن حل نهائي من خلال مفاوضات بين الفرقاء وإقرار الدستور السوري الذي تبذل جهود أممية من أجل التوافق عليه تمهيدا لإنهاء الحرب الكارثية في سوريا.
وفي ظل التنسيق الأمريكي- التركي فإن هناك مؤشرات إيجابية لإيجاد المنطقة الآمنة في شمال سوريا في ظل القلق التركي والذي يواجه حزب العمال الكردستاني في تركيا والعراق والآن في سوريا من خلال هذا العداء التاريخي ومن هنا فإن إقامة المنطقة الآمنة لتركيا تعد مسألة استراتيجية للأمن القومي التركي ولعل الزيارة الأخيرة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان لموسكو كان هدفها اقناع الحكومة الروسية ممثلة في الرئيس بوتين بضرورة إيجاد منطقة آمنة في شمال سوريا حتى يتم الانتهاء من الترتيبات الخاصة بإنهاء الحرب في سوريا.

الصراع يتواصل

تتواصل الحرب في سوريا بين المعارضة في إدلب والقوات السورية مدعومة بالقوات الروسية حيث سقط المئات من الضحايا المدنيين في هذه الحرب المدمرة علاوة على عشرات الآلاف من النازحين خوفا من القصف العسكري المتبادل ولا شك أن الدور الروسي العسكري أصبح هو الأساسي من خلال المحاولة لإنهاء تلك الحرب، حتى لو كان ذلك على حساب الضحايا المدنيين وفي المقابل بين قوات المعارضة السورية، أصبحت تفتقر لمشروع سياسي وفقدت الكثير من الدعم ومن هنا فإن الحوار والحل السياسي هو الآلية الصحيحة لإنهاء مأساة الحرب السورية ذات النتائج الكارثية على المدنيين منذ اندلاعها عام 2011 وعلى ضوء المسار السياسي فإن موسكو وواشنطن ينبغي أن يتوصلا الى حل توافقي خاصة وان محافظة إدلب تبقى هي المنطقة الوحيدة التي يدور فيها الصراع إضافة إلى ريفي حماة وحلب وبعض المناطق المتفرقة حيث تواجد قوات سوريا الديمقراطية الكردية المدعومة من الولايات المتحدة.
الخلاف الأمريكي- التركي يدور حول موضوع المنطقة الآمنة ومصير تلك القوات الكردية في منطقة الفرات ومن هنا فإن الجهود السياسية تتواصل لإيجاد تلك المنطقة في حين أن الحكومة السورية ترفض وجود مناطق آمنة بعيدا عن سيادتها الوطنية وهذا ما يجعل الأمر أكثر تعقيدا في المشهد السوري.
وعلى ضوء ما يجري في الساحة السورية فإن الصراع العسكري سوف يتواصل رغم وجود بعض التقدم فيما يخص المنطقة الآمنة ولعل تصريحات الرئيس التركي الأخيرة حول مناقشة واشنطن فيما يخص إمكانية شراء أنقرة لمنظومة الصواريخ باتريوت تعطي مؤشرا على إيجاد صفقة ما بين البلدين في ظل الغضب الأمريكي على تركيا والتي قامت بشراء منظومة الصواريخ الروسية اس 400 ومن هنا فإن هناك تداخلا استراتيجيا واقتصاديا وسياسيا في الأزمة السورية بين روسيا والولايات المتحدة وتركيا وحتى إيران.

المنطقة الآمنة

وفي ظل تلك التطورات فإن الجانب التركي يريد أن يطمئن أمنيا على حدوده من خلال وجود منطقة آمنة تمتد لعدة كيلومترات بعيدا عن قوات سوريا الديمقراطية الكردية وعلى ضوء الجهود السياسية التي تبذل الآن فإن إقامة تلك المنطقة قبل نهاية الشهر الحالي ممكنة ومن خلال ترتيبات توافق عليها روسيا بالدرجة الأولى وبالتنسيق مع الحكومة السورية بحيث يكون وجود تلك المنطقة وبقاؤها مرتبطا بالحل النهائي للحرب في سوريا.
إن سوريا في المحصلة الأخيرة هي دولة ذات سيادة ووجود منطقة آمنة يرتبط فقط بوضع الحرب وتواجد الفرقاء وفي ظل نهاية الحرب والحل السياسي بين الفرقاء السوريين فإن وجود المناطق الآمنة لن يكون مقبولا للسوريين بشكل عام ومن هنا فإن هذه الآلية المؤقتة لابد أن توضع في الحسبان حتى لا تتحول المنطقة الآمنة إلى منطقة دائمة ولعل التفاوض يجري على هذا الأساس.
روسيا والحكومة السورية تراقبان الوضع على الحدود التركية وأيضا تحركات قوات سوريا الديمقراطية الكردية وحتى التواجد العسكري التركي وهناك خشية من اندلاع مواجهة عسكرية بين القوات السورية والتركية وبمشاركة قوات سوريا الديمقراطية الكردية والتي تتعاطف عرقيا مع حزب العمال الكردستاني والذي يعد في مواجهة عسكرية مريرة مع أنقرة منذ عشرات السنين.
إن المنطقة الآمنة ينبغي أن تكون مؤقتة ومرتبطة بظروف الحرب وينبغي للمعارضة السورية والحكومة السورية أن يتوصلا إلى الحل السلمي لانتشال البلاد من المشكلات والتعقيدات التي تلف سوريا علاوة على المشكلات الإنسانية التي يتعرض لها الشعب السوري خلال تسع سنوات من الصراع والحرب المدمرة وضياع الكثير من مقدرات البلد.
إن التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة يقول إن هناك تقدما ملحوظا تم إحرازه بشأن إقامة المنطقة الآمنة شمال سوريا على الحدود مع تركيا مضيفا أن قواته سيرت مع قوات سوريا الديمقراطية المعروفة باسم قسد عدة دوريات لكشف مواقع التحصينات وإزالتها لتبديد قلق تركيا كما نفذت القوات التركية والأمريكية عدة عمليات تحقيق حيث تريد تركيا أن تكون هناك مراكز مراقبة ودوريات مشتركة عند إقامة المنطقة الآمنة.

المسار السياسي

يرتبط إقامة المنطقة الآمنة في شمال سوريا من عدمها بالمسار السياسي والعسكري معا حيث إن روسيا لها الدور الأكبر وهي والجيش السوري يسيطران على معظم الأراضي السورية باستثناء محافظة إدلب والذي يدور حولها الصراع العسكري حيث تتواجد قوات المعارضة السورية وهناك قوات سوريا الديمقراطية الكردية وهناك القلق التركي وعلى ضوء ذلك هناك مشاكل لوجستية على الأرض وهناك خشية من مواجهات عسكرية غير متوقعة بين الأطراف المتواجدة على الأرض وعلى ضوء ذلك تظل المنطقة الآمنة هي الهاجس الأكبر لتركيا بعيدا عن تواجد القوات الكردية على حدودها.
وبعيدا عن وجود المنطقة الآمنة من عدمها يظل المسار السياسي الذي يهدف الى إنهاء الحرب هو المسألة الأساسية لأن حدوث ذلك يعني إنهاء كل الإشكالات الفرعية وان تبسط الدولة السورية يدها على كل الأرض السورية وأن يكون هناك حل سياسي توافقي بين الفرقاء السوريين وهجرة الملايين من السوريين إلى ديارهم وإطلاق العملية السياسية وموضوع إعمار ما دمرته الحرب القاسية على السوريين وبدون الحل السياسي الشامل ستبقى تلك الحلول الجزئية مثار جدل وحذر بين الفرقاء من القوات الإقليمية والدولية.
ويبقى وجود المنطقة الآمنة في شمال سوريا أحد جوانب الصراع الكلي وهي مسألة فرعية لا تلبي طموحات السوريين في إنهاء الصراع بشكل كامل لتبدأ سوريا مرحلة من السلام والبناء والمصالحة الوطنية وفق دستور يعطي الحقوق والواجبات والمواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية، في حين أن الذي يحدث الآن هي أمور لها علاقة بالمصالح الإقليمية وخاصة تركيا والتي تشعر بالقلق من وجود قوات عسكرية كردية على حدودها.
إن الأزمة السورية رغم التطور الإيجابي في مسألة إيجاد المنطقة الآمنة لا تزال معقدة ولا يزال المشوار طويلا لإنهاء تلك الأزمة من خلال مسار جنيف ومن خلال اجتماعات الاستانا وسوتشي والجهود الأممية المتواصلة للتوصل إلى حل سياسي توفيقي ينهي المأساة السورية وتعيد السلام إلى هذا البلد العربي الشقيق وان ينعم شعبه بحياة مستقرة آمنة بعيدا عن الصراع والاقتتال والتي كانت نتائجه كارثية.