اتفاقية غير كاملة تحيطها التناقضات وتهددها المخاطر

صلاح أبو نار –

أعلنت دمشق وطهران رفضهما لها، لانتقاصها من سيادة سوريا على أراضيها، ولفرضها نوعا من التجزئة الإقليمية لها. ومن المتوقع أن تحاول موسكو اتخاذ موقف يلائم بين مصالحها الوطيدة في سوريا وتحالفها القوي مع تركيا، ولكن من المتوقع أيضا أن تميل كفة هذا الموقف نحو سوريا حليفها المركزي ومنصتها الأساسية للعودة للشرق الأوسط.
في السابع من أغسطس وقع الجانبان الأمريكي والتركي اتفاقية تأسيس منطقة آمنة بمحاذاة الحدود السورية التركية، وفي اليوم التالي مباشرة شهدت أراضي المنطقة أول دورية أرضية مشتركة أمريكية، وحلقت في سمائها طائرات الجانبين المروحية، ثم شرعت الدولتان في أعمال تركيب مركز عمليات مشتركة في جنوب ولاية شاذلي أورفة التركية. فما هي أبعاد الاتفاق؟ وما السياقات التي قادت إليه؟ والأهداف التي سعي لتحقيقها؟ وما هي تناقضاته وحدوده؟ انطلقت المفاوضات النهائية التي انتهت بتوقيع الاتفاق في الخامس من أغسطس. غير أن مفاوضات أغسطس القصيرة كان لها سياقاتها التفاوضية الممهدة والأعم. سياق أول وغير مباشر نجده في مفاوضات آستانة، التي انطلقت برعاية روسية في أوائل عام 2017 بين روسيا وتركيا وإيران، وأسفرت في جولتها الرابعة في مايو 2017، عن إنشاء أربع مناطق دعيت «مناطق خفض التصعيد». نوع من المناطق الآمنة، تقرر الإحجام عن التصعيد العسكري ووقف إطلاق النار بين الجماعات المسلحة داخلها وفرض رقابة عسكرية عليها، والتمهيد لعودة اللاجئين عبر إصلاح البني الأساسية وبدء الإعمار. وتشكلت من منطقة أولى في أدلب، وثانية في أجزاء من أرياف حلب وحماة واللاذقية، وثالثة في غوطة دمشق الشرقية، ورابعة في أرياف درعا والقنيطرة بالجنوب السوري. وسياق ثاني مباشر بين أنقرة وواشنطن، تشكلت اهم محطاته عبر التفاعل مع منحنيات الحرب الأهلية، وعبر مبادرات أو مقترحات متبادلة من الدولتين. وتمثلت في اقتراح تركي تكرر طرحه في 2012، بتأسيس منطقة عازلة شمال تركيا. ثم اقتراح أوباما عام 2013 إقامة منطقة حظر جوي شمال سوريا في سياق اتهام الجيش السوري باستخدام الأسلحة الكيماوية. ثم اقتراح اردوغان بتأسيس منطقة آمنة، تمتد بمحاذاة الحدود التركية – السورية من البحر المتوسط حتى حدود العراق، خلال زيارته لواشنطن 2014. وخلال عام 2015 واصلت تركيا طرح نفس الأفكار. ولكن أوباما لم يظهر تجاوبا وركز الجهد الأمريكي على العمل الحربي ضد داعش، الأمر الذي دفع تركيا للاتجاه صوب مفاوضات آستانة. ومع انتهاء المعركة ضد داعش، جاء قرار ترامب الانسحاب من سوريا في ديسمبر 2017، ليدفع الجانبان من أواخر يناير 2019، صوب إطلاق مسار تفاوضي ثنائي من اجل تأسيس منطقة آمنة، وهو المسار الذي انتهى باتفاق السابع أغسطس.ماهي العوامل التي شكلت موقف الجانبين في المفاوضات والنتيجة التي انتهت إليها؟ خلف التوجه والموقف الأمريكي من الاتفاق سنجد عدة عوامل متناقضة. أولها الرغبة في تخفيف الوجود العسكري الأمريكي في سوريا وأفغانستان، من اجل تركيز الجهد الأمريكي في الشرق الأقصي، أي في مواجهة الصين وكوريا الشمالية. وثانيها الرغبة في تهدئة الصراع مع تركيا، حفاظا على عضويتها ودورها في الناتو، وحرصا على عدم الدفع بها إلى أحضان روسيا، وخوفا من أن تصعيد الصراع سيقود إلى تقوية العلاقات التركية الإيرانية، وتحييدا للدور التركي في معركة واشنطن الجارية الآن ضد طهران. وثالثها رغبة واشنطن في تركيز جهدها في المرحلة الراهنة على قضيتين: محاصرة وتقليص الدور الإيراني النشط في الأزمات والسياسات الإقليمية في الشرق الأوسط، والإنهاء العملي والتفاوضي لما تدعوه صفقة القرن. ورابعها الانسحاب من مسؤوليات الأزمة السورية، مع الاحتفاظ ببعض الأوراق السياسية المهمة التي تمكنها من مواصلة التأثير على مسارها القادم، وأهم هذه الأوراق ورقة الحفاظ على قوة الحليف الكردي، وورقة تقليص النطاق الجغرافي للولاية السياسية لدمشق، وورقة تمويل عمليات الإعمار والحشد الدولي لها. وخامسها التخوف من تداعيات المستقبل، وبالتحديد انبعاث التيارات المتطرفة في سوريا وبالذات داعش، في ظل جمود متوقع في عملية المصالحة السورية الوطنية وبطء عمليات الإعمار وتحلل مؤسسات الدولة السورية، وهو ما يفرض عليها الحفاظ على قوة الأكراد حليفها العسكري القوي والموثوق.
وخلف التوجه والموقف التركي سنجد عدة عوامل. أولها: العامل الكردي.. تسعى أنقرة إلى تفكيك الوجود الكردي في الشمال السوري، وايجاد عوائق صلبة تمنع تواصله مع نظيره الكردي في جنوب غرب تركيا، وأضعاف قوة النزعة القومية الكردية. تفكيكه سياسيا عبر تصفية أو تحجيم تعبيراته العسكرية القوية التي نجح في تكوينها عبر مسار الأزمة السورية، ثم عبر حرمانه من صيغ الحكم الذاتي التي تمكن من تأسيسها في منطقة غرب الفرات شمال سوريا، وفي النهاية عبر إضعاف تحالفاته الخارجية الداعمة وبالتحديد مع الولايات المتحدة. ثم تفكيكه عرقيا عبر تخفيف التركز الكردي في بعض مناطق الشمال السوري، من خلال تكثيف الوجود العربي عبر توطين المهاجرين السوريين فيها. وثانيها: تخفيف الخسائر التي حلت بالدور التركي في الأزمة السورية. استهدف الدور التركي دفع التنظيمات الجهادية المتطرفة خارج نطاق المجال السياسي السوري، وإزاحة النظام السوري وتأسيس نظام بديل على أسس جديدة. ولقد تحقق الهدف الأول إلى درجة كبيرة، وأساسا بفعل توافقه مع الأهداف الروسية والأمريكية. بينما خرج الجيش السوري من الحرب سالما غانما. وهكذا تصبح عملية تأسيس المنطقة الآمنة، نوعا من تقليص المدى الجغرافي للسيادة السياسية السورية، وخلقا لقاعدة سورية اجتماعية موالية لأنقرة عبر سياسات الإعمار والأمن والإدارة، وامتلاكا لورقة تفاوضية هامة في أي مفاوضات قادمة لإعادة تشكيل المجال السياسي السوري. وثالثها: أزمة الداخل التركي.. يعاني نظام أردوغان من تآكل في شرعيته تبدى بوضوح في الانتخابات الأخيرة، كما يعاني من أزمة اقتصادية ضاعفت من أعباء المهاجرين السوريين الذين يبلغ عددهم ثلاثة ملايين ونصف. وبالتالي تصبح اتفاقية المنطقة الآمنة، إن قدر لها ان تسير حتى النهاية وفقا للتصور التركي، نوعا من الانتصار السياسي لأردوغان في مغامرته السورية، ونوعا من التخفيف الاقتصادي عبر سياسات تسكين المهاجرين في تلك المنطقة.
وسوف نكتشف فعل الأهداف السابقة في ما هو متفق عليه في الاتفاقية، كما سوف نرصد تناقضات ذات الأهداف فيما ما لم يتفق عليه بعد في الاتفاقية. واقع الأمر إننا أمام نصف اتفاقية وليس أمام اتفاقية كاملة، والمشكلة ان النصف غير المعلن هو بالتحديد النصف المحوري فيها، الذي سيحدد قدرتها على الفعل والصمود. فلنبدأ بالنصف المعلن. نصت الاتفاقية على انسحاب وحدات المقاتلين الأكراد منها، وبالفعل انسحبوا وقاموا قبل انسحابهم بتدمير تحصيناتهم. وعلى وجود مركز للعمليات المشتركة، يتولى أمر الرقابة الأمنية عليها من خلال ترتيبات، منها الدوريات المشتركة والرقابة مشتركة بالطائرات، ويدير التعاون الاستخباري بين الطرفين. كما نصت على السماح لتركيا بإعادة 3.5 مليون لاجئ سوري مهاجر إليها وتوطينهم فيها، ومن المتصور أنها في إطار هذا نصت على التزام أمريكا بجزء من نفقات إعمار المنطقة. وإذا انتقلنا إلى النصف المجهول سنلاحظ أمرين. أولهما: لم يعلن بعد طبيعة الاتفاق حول عمق المنطقة وامتدادها، وتشير المصادر التحليلية إلى وجود خلافات عميقة بين الأطراف الضالعة في هذا الصدد. تريد تركيا عمقا يصل إلى 32 كيلومترا. بينما ذكرت مصادر قوات سوريا الديمقراطية الكردية، إنها لم توافق إلا على خمسة كيلومترات، تتسع في المنطقة الواقعة بين رأس العين وتل ابيض ذات الغالبية السكانية العربية، لتصبح بين 9 كيلومترات و14 كيلومترا.
بينما ترى واشنطن ان العمق لا ينبغي ان يتجاوز 20 كيلومترا. وفيما يتعلق بامتداد المنطقة لم تصدر تصريحات رسمية أيضا بشأنه، ولكن التحليلات المنشورة أشارت إلى امتداد قد يصل إلى 460 كيلومترا من إجمالي طول الحدود الذي يصل إلى 822 كيلومترا، ومع إضافة السيطرة التركية على إدلب من المتوقع أن تصل مساحتها إلى 32.404 كيلومتر مربع، وهو ما يساوي 17.5% من مساحة سوريا. ولكن بصفة عامة لا يبدو حتى الآن وجود اتفاق حول الامتداد، فمن المتوقع ان تطالب أنقرة بأقصى امتداد شرق الفرات حيث تتركز القوات الكردية المسلحة، ومن المتوقع ان لا تستجيب أمريكا وحلفائها الأكراد لهذا المطلب التركي. وثانيهما، عدم الاتفاق على هوية القوات المنفذة للاتفاق. وبوضعها هذا تواجه الاتفاقية مخاطر عديدة، كفيلة إن لم تصل لحلول وسط بالعصف بها. فهي تواجه صخرة المسألة الكردية، أي ذات المسألة التي خلقت العجز عن الاتفاق حول مدى وعمق المنطقة. وفي هذا السياق لن نندهش عندما نلاحظ ان تصريحات أردوغان في يناير 2019 قبيل انطلاق المفاوضات، لا تختلف جوهريا عن تصريحاته بعد توقيع الاتفاقية. صرح في يناير: «نتوقع إنشاء منطقة عازلة وآمنة من اجل حماية وطننا من الإرهابيين، فإن لم يحدث سوف نحسم الأمر ونقوم نحن بتشكيلها». وفي أغسطس بعد تسيير أول دورية مشتركة صرح: «نتفاوض مع الولايات المتحدة حول المنطقة الآمنة، لكننا نرى في كل خطوة أن ما نريده نحن، لا يتطابق مع ما هو موجود في عقول الأمريكيين. ويبدو لنا ان حليفنا الأمريكي يبحث عن منطقة آمنه للتنظيمات الإرهابية، وليست آمنة لنا.» وبعد بضعة أيام شدد: «إن لم يتحقق ما تريده تركيا مع نهاية أغسطس، سنضطر للعمل في شرق الفرات وحدنا، لتحقيق هذه المنطقة الآمنة». ولكن الاتفاقية لا تواجه فقط صخرة المسألة الكردية، بل ستواجه أيضا المعارضة السورية. أعلنت دمشق وطهران رفضهما لها، لانتقاصها من سيادة سوريا على أراضيها، ولفرضها نوعا من التجزئة الإقليمية لها. ومن المتوقع ان تحاول موسكو اتخاذ موقف يلائم بين مصالحها الوطيدة في سوريا وتحالفها القوي مع تركيا، ولكن من المتوقع أيضا أن تميل كفة هذا الموقف نحو سوريا حليفها المركزي ومنصتها الأساسية للعودة للشرق الأوسط. وفي مقدور التحالف السوري الإيراني المدعوم بدرجة قوية من روسيا أن يشكل تهديدا قويا لاستمرار الاتفاقية، بافتراض نجاح واشنطن وأنقرة في تجاوز العقبة الكردية. وقد لا تنجح سوريا المنهكة في تشكيل خطر على الجيش التركي، لكنها بالتأكيد قادرة على ايجاد وضع يجعل صلاحية المنطقة لاستقبال اللاجئين محلا لشك دولي كبير، وبالتالي تنسف نصف الأهداف التركية منها.