أنقرة وواشنطن .. وفاق أم افتراق؟

إميل أمين –

في مواجهة رفض دمشق حاول الأكراد فتح قنوات اتصال مجددا مع دمشق التي تحملهم اليوم مسؤولية اتفاق المنطقة الآمنة، إذ قال أحد مسؤولي الأكراد لوكالة الأنباء الفرنسية: «طرحنا على دمشق التفاوض على صيغة معينة لإدارة هذه المناطق، لكنها لم تقرر بعد ولم توضح موقفها الحقيقي رغم خطورة الوضع، ومن المعروف أيضا أن محادثات سابقة لم تثمر بين الطرفين، مع إصرار دمشق على إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل اندلاع النزاع في العام 2011، وتمسك الأكراد بإدارتهم الذاتية.
الى أين تمضي العلاقات التركية – الأمريكية لا سيما في ضوء العديد من الملفات المتفجرة بين الطرفين؟
الشاهد أن تركيا العضو الحلف في الناتو، لعبت في زمن الحرب الباردة دورا كبيرا ومتقدما في الخطوط الدفاعية الأولى للأطلسي في مواجهة انتشار قوات الاتحاد السوفييتي، ولهذا حرض الأوروبيون والأمريكيون على حد سواء على أن تكون هناك علاقات فائقة الجودة مع أنقرة، وقد لعبت القوات المسلحة التركية دورا واضحا في هذا السياق طوال أربعة عقود.
غير أن الأوضاع لم يكن لها أن تظل طويلا على هذا المنوال من جراء تغير عدد من المعطيات الاستراتيجية من عينة انهيار الاتحاد السوفييتي، وتفرد الولايات المتحدة بنوع من أنواع الطبيعة الأحادية، ما أفقد تركيا بعض وليس كل من أهميتها في موقعها الجغرافي المهم للغاية.
تعقدت العلاقات التركية مع الناتو بضفتيه أوروبا بداية، والولايات المتحدة الأمريكية تاليا، أما أوروبا فقد ماطلت طويلا ولأسباب مختلفة في قبول تركيا كعضو في الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي خلف توترات ظهرت على السطح بين أنقرة وبروكسيل، ما أعاد أشباح من خلافات القرون الوسطى، وهو ما لم يداريه أو يواريه الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في العديد من خطبه وتصريحاته .
أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد تعرضت علاقة تركيا معها الى عدة كبوات وجفوات، لا سيما منذ مجيء الرئيس ترامب، ورفضه للكثير من التوجهات التركية، لا سيما مسألة حيازة أنقرة لصواريخ روسية متقدمة من عينة اس 400، إضافة الى عدد من الملفات الشائكة التي ولدتها الأزمة السورية بين الجانبين.
والمعروف أن واشنطن دعمت ولا تزال قوات حماية الشعب الكردية، الفصيل البارز ضمن قوات سوريا الديمقراطية، الأمر الذي تنظر له تركيا على أنه تهديد لأمنها إذ ان الأكراد مصممون على إقامة دولتهم المستقلة، والتي لن تكون في تقديرهم جارا جيدا أو حليفا طيبا، فهناك من الخلافات العرقية التاريخية بين الجانبين الكثير الذي يجعل إقامة علاقات دولية بينهما أمرا مستحيلا.
على أن واشنطن ترى في الأكراد حليفا استراتيجيا، سيما وأنهم لعبوا دورا متقدما في التحالف الدولي الذي شكلته واشنطن لمواجهة داعش، وقد أبلوا في واقع الأمر بلاء حسنا جدا في هذا الإطار، وكانت لهم سجلات عسكرية متقدمة، سيما وأن الأسلحة الثقيلة التي زودتهم بها واشنطن قد فعلت فعلها.
في هذا الإطار كانت علاقة واشنطن بالأكراد أحد أخطر النقاط الشقاقية بين الجانبين الأمريكي والتركي، إذ لا يقبل الأتراك أن ترحل واشنطن بقواتها العسكرية من سوريا، وتترك وراءها عديد القوات التركية المسلحين بأسلحة أمريكية يمكنها أن تناوش الجانب التركي، أو تتسبب في خسائر بشرية أو مادية له.
والثابت كذلك أن الجانبين التركي والأمريكي قد أدركا أنه لابد من حل وسط توافقي لإنقاذ المشهد سيما وأنهما بلدان يرتبطان بطائفة واسعة من المصالح الاستراتيجية، ولهذا فإن مسألة استغناء أحدهما عن الآخر مرة واحدة هو أمر غير ممكن، ولذا كان لابد من طرح متوسط لقضية سوريا وما يجري على حدودها من صراعات .
هنا وفي أوائل أغسطس الماضي اتفق الطرفان على إنشاء مركز عمليات مشتركة في تركيا لإقامة المنطقة الآمنة شمالي سوريا لتكون ممرا آمنا لعودة المهاجرين إلى ديارهم.
جاء الإعلان في واقع الحال من الجانبين، فقد قالت وزارة الدفاع التركية في بيان لها: «إنه سيتم في أقرب وقت ممكن تشكيل مركز عمليات مشترك مع الولايات المتحدة الأمريكية لإنشاء وتنسيق المنطقة الآمنة وإدارتها.
وأضافت: «إنه تم التوصل الى تفاهم لاتخاذ التدابير اللازمة لتحويل المنطقة الآمنة الى ممر آمن وعودة اللاجئين السوريين الى بلدهم» .
وعلى الجانب الأمريكي كانت السفارة الأمريكية في أنقرة تعلن في بيان مشترك لها أن اتفاقا جرى مع أنقرة من أجل تسريع تنفيذ كافة التدابير من أجل معالجة المخاوف والقلق الأمني لدى تركيا.
وقد رأى الأمريكيون أن المنطقة الآمنة ستكون بمثابة ممر سلام، وستبذل كافة الجهود من أجل إعادة المهجرين السوريين الى بلدهم.
هل جاء هذا الاتفاق ليرفع التهديد التركي المتكرر بالقيام بعملية عسكرية كبرى شرق الفرات ؟
المعروف أن الأتراك يهددون بهذا الأجراء، في شرق الفرات وكذلك في منبج السورية، والهدف هو قوات حماية الشعب الكردية السورية، التي تصنفها تركيا ككيان إرهابي، إذا لم تسحبها أمريكا من هناك، ولاحقا قررت أنقرة تأجيل العملية العسكرية بعد إعلان واشنطن سحب قواتها من سوريا.
هنا ظهر على سطح الأحداث تساؤل مهم وخطير في الوقت نفسه هل واشنطن جادة بالفعل في إنهاء النزاع بين الأتراك والأكراد من خلال خطة حقيقية ثابتة وراسخة على الأرض، خطة تكفل لتركيا أمنها وأمانها، وتباعد بينها وبين شبح شن هجمات من قبل الأتراك عليها، أم أن واشنطن في حقيقة الحال تسوف الوقت مع الجانب التركي، بهدف عرقلة أي عمل عسكري ضد الوحدات التركية؟
مهما يكن من أمر الجواب، فان الدوريات المشتركة قد بدأت بالفعل في السير في المنطقة الآمنة، ومن المنتظر ان تعمل في مناطق محدودة فقط، ومن المتوقع ان تتبعها خطوات أخرى خلال الأيام القادمة .
غير ان المسألة لا تبدو بمثل هذه البساطة في ضوء اختلاف المواقف التركية عما تراه أمريكا كافيا من جهة، وبين الموقف السوري الرسمي من هذه الخطة الخاصة بالممر الآمن من جهة ثانية … ماذا عن ذلك؟
المؤكد أن السوريين قد أبدوا رفضهم القاطع للاتفاق الأمريكي- التركي الرامي الى إنشاء منطقة آمنة في شمال سوريا، والحكومة السورية الرسمية تأخذ على الأكراد في الأصل تحالفهم مع واشنطن، واعتبرت أن تلك المنطقة ستكون واقعة تحت احتلالين أمريكي وتركي في آن واحد، وحملت بعض الأطراف الرسمية السورية الأكراد مسؤولية الاتفاق نتيجة تحالفهم مع الأمريكيين، ووصل الأمر بعضهم الى القول: «إن بعض الأطراف السورية من المواطنين الأكراد قد فقدوا البصر والبصيرة وارتضوا لأنفسهم أن يكونوا الأداة والذريعة لهذا المشروع العدواني الأمريكي التركي، وانهم وحدهم من يتحمل مسؤولية ما يجري في هذا الوضع الغريب الناشء».
وفي مواجهة رفض دمشق حاول الأكراد فتح قنوات اتصال مجددا مع دمشق التي تحملهم اليوم مسؤولية اتفاق المنطقة الآمنة، إذ قال احد مسؤولي الأكراد لوكالة الأنباء الفرنسية: «طرحنا على دمشق التفاوض على صيغة معينة لإدارة هذه المناطق، لكنها لم تقرر بعد ولم توضح موقفها الحقيقي رغم خطورة الوضع، ومن المعروف أيضا أن محادثات سابقة لم تثمر بين الطرفين، مع إصرار دمشق على إعادة الوضع الى ما كان عليه قبل اندلاع النزاع في العام 2011، وتمسك الأكراد بإدارتهم الذاتية .
هل تركيا راضية الآن عن الاتفاق مع الجانب الأمريكي أم ان موقفهم بدأ يذهب في اتجاه بعيد بدورهم عن العم سام وتوجهات ساكن البيت الأبيض؟
يبدو واضحا أن تركيا غير راضية بالمرة عن مستوى التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية، ويكاد الصوت الذي يتحدث عن قيام أمريكا بتسويف الوقت ينتصر في الداخل التركي، الأمر الذي رشح جليا خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده وزير الخارجية التركي «تشاوش أوغلو»، مع وزير خارجية الجبل الأسود «سرديان دارمانوفيتش»، في العاصمة أنقرة نهار الثلاثاء الماضي. في ذلك النهار كانت تركيا تتحدث بغضب على لسان أوغلو، إذ بدأ حديثه مهددا أمريكا بالقول: «في حال لم نحصل على نتائج من التعاون مع واشنطن فاننا سندخل هذه المناطق».
وأضاف أوغلو: «ان الولايات المتحدة الأمريكية لم تلتزم بتعهداتها وفي مقدمتها خارطة طريق منبج، بسبب انخراطها في علاقات مع تنظيم ما اسماه بـ «بي كا كا الإرهابي».
في اللقاء المشار إليه أكد أوغلو على أن الخطوات المتخذة من قبل واشنطن أو التي قيل إنها اتخذت هي خطوات شكلية، مضيفا ان بلاده ترى في الولايات المتحدة الأمريكية محاولة للمماطلة في مسألة تشكيل المنطقة الآمنة.
هل تعني تصريحات وزير الخارجية التركي أن تركيا يمكنها أن تعمد الى القيام بإجراء أحادي من جهتها مهما بلغت أكلاف مثل هذا التصرف والذي قد يكبدها أثمانا عالية؟
يقول أوغلو «أن تركيا لديها خطة جاهزة، وبمقدورها تطهير تلك المناطق، ويؤكد انه في حال لم نحصل على نتائج من التعاون مع واشنطن، فإننا سندخل لهذه المناطق أي شرق الفرات».
الرجل إذن لم يوارِ أو يدارِ النوايا التركية في القيام بعمل مسلح، من اجل مواجهة الفصائل الكردية هناك، الأمر الذي يعود بنا الى مربع التساؤل المثير والخطير مرة أخرى: «هل تركيا قادرة أو راغبة حقا في الدخول مع واشنطن في مواجهة عسكرية، وهل يمكن للجانب الأمريكي ان يجعل أسلحته الثقيلة التي يحوزها الأتراك الآن تقع مرة واحدة في أيدي الأتراك ؟هناك جزئية مزعجة في العلاقات التركية الأمريكية مؤخرا، وهي ان الكثيرين في الكونجرس الأمريكي، قد باتوا ينظرون الى الرئيس أردوغان والى سياساته بأنها نوع من أنواع اللعب على المتناقضات الدولية، لا سيما ما بين واشنطن وموسكو بنوع خاص، ما يجعل فكرة أي مواجهة مسلحة مع الجانب التركي أمرا كارثيا من جهة استحقاقاته السياسية الأمنية بل والاقتصادية على الاتراك.
الأمريكيون من جانبهم يرون ان الدور المنوط بالأكراد لم ينته بعد، ذلك ان داعش يخطط بقوة للعودة مرة أخرى، وذلك رغم الضربات العسكرية التي تلقاها، فلا تزال هناك جيوب قادرة على الحشد مرة أخرى، وحال اختفاء تلك القوات، فإن الدواعش سيعودوا حكما الى الأماكن التي كانت لهم سيطرة عليها من قبل .
لقد أضحى التساؤل في العديد من الدوائر الأمنية والإعلامية الأمريكية على حد سواء: «هل يود اردوغان اعطاء قبلة الحياة من جديد لتنظيم الدولة الاسلامية؟».
يدرك أردوغان أن الصراع مع ترامب يمكن أن يكبده الكثير، لا سيما اقتصاديا، والأمريكيون بدروهم يعلمون أن تركيا رقم صعب في اللعبة، ومن هذا المنطلق فإن فلسفة المواءمات هي التي ستسود في نهاية المشهد وبعيدا عن الخيارات العسكرية العنترية، ان لم تسخن الرؤوس وتتصادم بما لا يخدم مصالح الطرفين.