المنطقة الآمنة «سابقا».. ولعبة خلط الأوراق!

رشا عبد الوهاب –

تركيا تتجاهل السيادة السورية وتتدخل بشكل فاضح لملاحقة الأكراد كما أنها تدعم التنظيمات الإرهابية، ومن بينها الجيش السوري الحر. وفي المحصلة، ومع إدانة سوريا وروسيا وإيران للمنطقة الآمنة، إلا أن قرار واشنطن وأنقرة تم تنفيذه بصمت مطبق من الحلفاء الثلاثة.
دخلت الحرب في شمال شرق سوريا مرحلة جديدة، فالهجمات ضد تنظيم داعش الإرهابي هدأت، والتوترات بين القوى الخارجية تشتعل بسبب ما يسمى المنطقة الآمنة، والخلافات حول مدى اتساع هذه المنطقة، وذلك في الوقت الذي يسعى فيه الرئيس السوري بشار الأسد إلى استعادة سيطرته على المنطقة الاستراتيجية، والتي تعتبر خارج سيطرته. وتتمتع منطقة شمال سوريا بأهمية استراتيجية حيث إنها تحتوي على كميات ضخمة من البترول، كما أنها بمحاذاة الحدود التركية، إلى وجود سكان عرب في غالبية مناطقها. ورفضت الحكومة السورية بدء الولايات المتحدة وتركيا دوريات مشتركة في منطقة الجزيرة السورية تنفيذا لاتفاق المنطقة الآمنة، وأكد مصدر بوزارة الخارجية السورية أن هذه الدوريات «انتهاك سافر للقانون الدولي ولسيادة ووحدة أراضي الجمهورية العربية السورية». واعتبرت دمشق أن ذلك بمثابة عدوان يهدف إلى تعقيد وإطالة أمد الأزمة في سوريا. بينما أكد بشار الجعفري مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة أن ما تقوم به الولايات المتحدة والنظام التركي بالتزامن مع انعقاد الجلسة الختامية لاجتماع الآستانة، ومباشرة بعد صدور البيان الختامي هو خطوة استفزازية أخرى تهدف إلى ايجاد وقائع جديدة على الأرض في المناطق التي تنتشر فيها قوات هذين البلدين بشكل غير شرعي، فالخطوة انتهاك سافر لمبادئ القانون الدولي وأحكام ميثاق الأمم المتحدة. وأعربت كل من روسيا وإيران، عن قلقهم إلا أن الموقف الروسي كان شديد التعقيد، حيث ترى موسكو أن المنطقة الآمنة ستعقد فرص التوصل إلى اتفاق بين قسد وسوريا. بينما ترى إيران أن اتفاق المنطقة الآمنة «استفزازي ومقلق»، في وقت يتضح فيه بين السطور أنها إحدى أهداف إقامة هذه المنطقة. وخلال السنوات السبع الماضية، كانت شمال سوريا من بين أكثر المناطق أمنا في الدولة التي تعاني من ويلات الحرب بالوكالة، إلا أن إعلان الانسحاب الأمريكي كشف أنها على العكس كأنها برميل بارود قابل للاشتعال. ومنذ 2014، أدت العمليات العسكرية ضد داعش إلى انقلاب التوازن الجيوسياسي في المنطقة. وبدعم أمريكي، تمكنت وحدات حماية الشعب الكردية، إلى جانب بعض الحلفاء المحليين، من السيطرة على المناطق التي كانت تسيطر عليها داعش شرق الفرات، وكنتيجة لذلك، فقد تمكنت الوحدات الكردية من السيطرة على 30% من سوريا. بينما تمكن الجيش السوري ، من السيطرة على غرب نهر الفرات. وعلى الرغم من وجود العديد من الاحتمالات السياسية في هذه المنطقة، إلا أن جميعها يشكل خطورة، فاستمرار الوجود الأمريكي كأداة ضد إيران، يشجع الأخيرة على دعم استمرار الهجمات لدفع واشنطن إلى الانسحاب، كما فعلت العراق، ومن جهة أخرى، فإن الوضع الحالي، يهدد بجر شمال شرق سوريا الى حرب جديدة بين تركيا وسوريا وميلشيات إيرانية، أو قوى متحالفة تحاول سحب السيطرة على المنطقة ومواردها من يد الوحدات الكردية. والفوضى الناتجة عن هذا الوضع يمكن أن يكون ثمنها غاليا على جميع اللاعبين ويسمح لداعش أو إرهابيين آخرين باستعادة السيطرة على المنطقة. ويأمل المسؤولون الأمريكيون أن يتم إطلاق مفاوضات بين دمشق والمجلس الديمقراطي السوري، المظلة السياسية لوحدات حماية الأكراد، لتجنب العنف بعد انسحاب الولايات المتحدة. وهناك عدة مؤشرات على أن هذه المفاوضات لن تتم في الوقت الحالي، منها أسئلة محورية حول كيف سيتم حكم، ومن سيحكم شمال شرق سوريا، خلافات ضخمة تفصل بين الحد الأدنى الذي تأمله الوحدات الكردية والحد الأقصى الذي يمكن أن تتنازل عنه دمشق. وتصر وحدات حماية الشعوب الكردية على تعديلات دستورية تمنح المنطقة حكما ذاتيا كبيرا، ومن بينها تحمل مسؤولية الأمن المحلي. ومع ذلك، فإن دمشق جعلت من الواضح أنها تستهدف ضمان السيطرة الكاملة على المنطقة، فهي مستعدة لمناقشة إصلاحات محدودة النطاق ليس من بينها الحكم الذاتي. والسبب الثاني، إن دمشق تؤمن أن عامل الوقت في صالحها، وذلك بسبب مكاسبها العسكرية في كل المناطق الأخرى واحتمالية الانسحاب الأمريكي المبكر وغير المشروط، وهو ما يشكل فرصة لفرض الحكومة السورية كل مطالبها بالقوة، حيث لا يوجد لديها سبب لتقديم تنازلات كبيرة وطويلة المدى. ومن جانبها، فإن وحدات الشعوب الديمقراطية تصر على أنها يمكن الدفاع عن نفسها بدلا من الاستسلام للحكومة ، ومع ذلك يشعر الكرد بالتفاؤل من أن موقف واشنطن كفيل بتحويل الأوضاع لصالحهم بشكل كامل. إن تضاؤل فرص التوصل إلى اتفاق بين وحدات حماية الشعب ودمشق، يوفر ذرائع لتركيا لشن عملية عسكرية. وقدمت وحدات حماية الشعوب عرضا إلى الحكومة السورية يتمثل في إرسال دمشق قوة صغيرة مثل «حرس حدود» على طول الحدود بين عفرين وتركيا، وتكون ضمن السلطة الرسمية ويرفع عليه العلم السوري، لكن بدون استعادة السيطرة الأمنية على عفرين. ووصف المسؤولون الأكراد هذه الاستراتيجية بأنها تأكيد على السيادة السورية على الحدو وعفرين التي تهاجمها تركيا في عملية «غضن الزيتون»، وأعربوا عن أملهم أن يكون هذا الانتشار العسكري الرمزي السوري بمثابة ردع لتركيا كما أنه لا يهدد السلطة الكردية في المنطقة. ورفضت دمشق العرض، لكنها أدانت بشكل متكرر الهجمات التركية باعتبارها اعتداء على السيادة السورية، ووصف الرئيس بشار الأسد الاعتداء على عفرين بأنه «غاشم»، واتهم تركيا بدعم الإرهاب والتنظيمات الإرهابية. وتصر قوات سوريا الديمقراطية على رفض أن تكون سماء المنطقة الآمنة خاضعة لأنقرة. وقالت وسائل إعلامية كردية إن قسد لم تقبل سوى بعمق 5 كيلومترات على طول الحدود مع تركيا إلى أن خرج مظلو مكوباني، قائد قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، ونفى التوصل إلى اتفاق نهائي من الأساس إلا أنه رسم ملامح المنطقة التي قد يقبلها، بحيث يكون عمق المنطقة 5 كيلومترات، وتقع بين الفرات ودجلة على أن يمتد عمق المنطقة إلى 9 كيلومترات ضمن مناطق معينة بين تل أبيض ورأس العين وإلى 14 كلم في منطقة أخرى صغيرة جدا يمر فيها تيار النهر. كما أن قسد ترفض محاولة تركيا إنشاء منطقة لإقامة اللاجئين السوريين الذين فروا من الصراع السوري إلى الأراضي التركية. وبإنشاء تركيا لهذه المنطقة، فإنها تخطط لتغيير التركيبة الديموغرافية للسكان عبر إعادة نشر حوالي 700 ألف لاجئ في المنطقة لإنشاء ما يسمى بـ «الحزام العربي»، لفصل أكراد سوريا عن أكراد تركيا. وعلى الرغم من الإدانة السورية والروسية المتواصلة للتدخلات التركية، إلا أنه في هذه النقطة تحديدا، فقد كانت خطة نقل الأكراد من هذا الحزام على الحدود التركية، خطة قديمة لحزب البعث السوري منذ الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، إلا أنها لم تتحقق. كما أن سوريا وتركيا مهددتان في الوقت ذاته بسبب حلم الأكراد في إقامة دولتهم على الحدود بين الدولتين. ولدى الرئيس السوري تفسيره الخاص فيما يحدث في الشمال السوري من «خطة أمريكية» لنشر الفوضى باستخدام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فبعد عمليات التحرير، لم يبق سوى إدلب، وأشار الأسد: «أصبح الدور التركي ضروريا وأساسيا من أجل خلط الأوراق». لكن تصريحات الأسد تناقضت مع إعلان دمشق الموافقة على وقف إطلاق النار في إدلب، مقابل تطبيق اتفاق سوتشي الذي يقضي بتراجع الإرهابيين 20 كيلومترا بالعمق من منطقة خفض التصعيد وسحب الأسلحة الثقيلة والمتوسطة. ومع استمرار ماراثون محادثات الآستانة حتى وصلت إلى ثلاث عشرة جولة، يظل نقاط التضارب في المصالح بين إيران وتركيا وروسيا أكثر من نقاط الاتفاق حول مستقبل الحرب في سوريا. وفي الجولة الأخيرة، تم الاتفاق على التزام الدول الثلاث بوحدة وسلامة الأراضي السورية ومبادئ وميثاق الأمم المتحدة، إلا أن ذلك لا يحدث على أرض الواقع. فتركيا تتجاهل السيادة السورية وتتدخل بشكل فاضح لملاحقة الأكراد كما أنها تدعم التنظيمات الإرهابية، ومن بينها الجيش السوري الحر. وفي المحصلة، ومع إدانة سوريا وروسيا وإيران للمنطقة الآمنة، إلا أن قرار واشنطن وأنقرة تم تنفيذه بصمت مطبق من الحلفاء الثلاثة.