غرناطة رضوى

حمدة بنت سعيد الشامسية –
hamdahus@yahoo.com –

لم يعد قلبي يحتمل قراءة الروايات والأخبار، ومع كل سنة أتقدم فيها في العمر يصبح احتمال الألم أصعب، كنت أحتسي فنجان قهوتي مع صديقة عزيزة، وكالعادة ترافق القهوة القراءة بشكل أو بآخر، بقصد أو بدون قصد، عندما جاء الحديث عن (ثلاثية غرناطة) لرضوى عاشور، اتسعت حدقتا جليستي وأنا أعترف بأنني لم أقرأ الرواية، ثم قالت بنبرة آمرة: عليك ترك الكتاب الذي بين يديك وقراءة (ثلاثية غرناطة) شئت ذلك أم أبيت.
بعد انتهاء الجلسة استأذنت بالرحيل، وقررت البقاء لقراءة الفصول الأخيرة من الكتاب الذي بين يدي، فقط لأجدها تهاتفني مرة أخرى وتأمرني بالبقاء في مكاني، وتعود لي بنسخة من الرواية بإهداء جميل، حوى دعوة لم أستطع تجاهلها، تركت الكتاب الذي بين يدي، واعتكفت على مدى أربعة أو خمسة أيام على الرواية التي تزيد صفحاتها عن الخمسمائة، وهي بالطبع ثلاثية من ثلاث روايات (غرناطة) و(مريمة) و(الرحيل) بدأتها الكاتبة من مشهد توقيع آخر ملوك غرناطة (أبوعبدالله محمد الصغير) على اتفاقية تسليمها لملكي قشتالة وأراجون، وأنهتها بقرار ترحيل عرب الأندلس.
رواية تاريخية صيغت الحقائق فيها بلغة جميلة، رشيقة، بتفاصيل مذهلة تجعلك تستشعر ملمس الحرير، وتتذوق طعم الكسكسي باللحم وهو يقدم لضيوف الأندلس، وتشم رائحة الخزامى مختلطة بعرق الجدة (مريمة) وتسمع خرير الماء صافيا رقراقا، ترتعب خوفا من مشاهد الموت والتعذيب، الذي تمتزج مشاهده بمشاهد العشق والهيام التي يعيشها أبطال الرواية، تنسيك للحظة ألم الظلم ثم يعود إليك أشد ألما وحضورا.
أعطت رضوى عاشور شخوصها حياة، وجعلت القارئ يعاصر شخوصها من اللحظة التي كانوا فيها نطفة، حتى اللحظة التي غادروا فيها الحياة، فاقدي الهوية، كسيري القلوب.
إنها رواية (الخذلان) و(الخيبة) و(الألم) الذي يجبرك صدق الكاتبة على معايشته، كما عايشه عرب الأندلس وهم يقضون عقودا طويلة يحاربون من أجل الحفاظ على (الدين) و(الهوية) التي باعوا من أجلها الغالي والرخيص.
كتبت الكاتبة الرواية بإيحاء من مشهد سقوط الصواريخ على بغداد، مما جعلها تذهب للتنقيب عن تاريخ الخذلان العربي وتتبعه، لتخرج بهذه الرواية العبقرية الرائعة، التي صدقت صديقتي في وصفها بأنها رواية يجب أن نترك كل الكتب جانبا ونقرأها.