نجاح التنمية مرتهن بتحقق وعي شعبي عميق

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

فمن خلال هذه الإحصائية الماثلة أعلاه يستطيع أحدنا أن يقيس مستوى الوعي السياسي الذي وصل إليه الفرد في المجتمع العماني، ربما لن نرفع سقف طموحاتنا كثيرا لأن يكون كل الـ (32) من حملة شهادة الدكتوراه، أو عدد غير قليل من الـ (91) من حملة شهادة الماجستير، ضمن تشكيلة مجلس الشورى في فترته التاسعة، ولكن؛ يقينا؛ سيكون الكثيرون منهم موجودين، وهذا أيضا يعيدنا إلى فهم وطبيعة مستوى الوعي لدى الفرد العماني بشكل عام.
المراهنة على الوعي المجتمعي، تبقى مراهنة تستحوذ على أهمية كبرى لأي مجتمع ينشد التطور، والنمو، والبحث الدائم عن خيارات أهم لمسيرة حياته اليومية، بقضاياها المختلفة، فمن خلال هذا الوعي يمكن لهذا المجتمع أو ذاك أن يمكّن أدواته للذهاب قدما نحو تحقيق الكثير من المكاسب التنموية التي يعمل على تحقيقها ليل نهار، وبالتالي فأي ارتباك في هذا المشروع، أو وجود أي خلخلة، فمن شأن ذلك أن يفضي إلى كثير من المتاعب، وإلى كثير من استنزاف الوقت والجهد، وإلى كثير من حالات العودة إلى المربع الأول في كل مرة، ومن هنا يأتي الاهتمام المطلق بالناشئة على اعتبار قدرتها في استيعاب البرامج الذاهبة نحو تعزيز الوعي، ولو بصورة متدرجة، على جرعات تتناسب وعمر الناشئة المستهدفة.
هل في ذلك صعوبة ما، من شأنها أن تؤخر الاستيعاب الشامل لمختلف البرامج الذاهبة إلى تأصيل الوعي؟ نعم؛ فهذا الأمر ليس يسيرا، ولكنه؛ في المقابل ليس صعبا؛ لأن النفس الإنسانية المجبولة على التحدي، وعلى عدم قبول الآخر بصورة مطلقة، وعلى وجود ذخيرة تاريخية متكونة على امتداد عمر الفرد، كل ذلك يعمل على تأخير قدرة برامج التوعية في أن تسير سيرا طبيعيا، وتؤثر تأثيرا مباشرا، لتكون الاستجابة على ما هو مؤمل، وعلى ما هو متوقع، ومن هنا أيضا يأتي البحث الدائم على برامج حديثة بموضوعات حديثة لا تتقاطع كثيرا مع واقع الناس، فمجموعة القيم التي يؤمن بها الناس ليس يسيرا تجاوزها في فترة زمنية قصيرة، وهذا أمر مسلم له إلى حد كبير، وليس في ذلك من غضاضة، ولا يجب أن يبعث على السأم والملل، وربما هذا الأمر يعيه أكثر المتخصصين في الشأن الاجتماعي، فقدرة النفس على زحزحة قناعاتها تحتاج إلى أمد ليس قصيرا، ولذلك عندما تتبنى برامج التوعية، لأمر ما، فإن القائمين على هذه البرامج يدركون جيدا أنهم يحتاجون إلى أوقات طويلة، ربما يصل بعضها الى عمر جيل بأكمله، وهو الـ (30) عاما على أقل تقدير، فالنفس البشرية؛ كما ذكرت؛ عصية، وكل فرد ينطلق من قناعاته أولا، ومن ثم يوازن بين ما هو مقتنع به، وبين ما يطالبه به المجتمع.
ومن وجهة نظر أخرى؛ يذهب التقييم إلى أن توجيه برامج التوعية، لا تحتكم الى التصنيفات العمرية، أو الفئوية على أهميتها وإنما يذهب واضع الرسالة إلى شمولية أفراد المجتمع، ومن «رجع الصدى» أو «التغذية الراجعة» كما تسمى كذلك، يتبين أي فئة عمرية قبلت الرسالة، وأي فئة في المجتمع استجابة أيضا لهذه الرسالة التوعية أو تلك، ويتضح ذلك من خلال النتائج التي هدفت إلى تحقيقها الرسالة التوعوية، ومن الأمثلة التي استحضرها في هذا الجانب برنامج (المباعدة بين الولادات) الذي تبنته وزارة الصحة مع عدد من الجهات المعنية في فترة التسعينيات من القرن المنصرم، احتاج إلى وقت طويل حتى بدأت تظهر نتائجه على واقع المجتمع في السلطنة، ولعلنا نلاحظ اليوم نتائج حملات التوعية التي تبناها البرنامج في ذلك الوقت على واقع الشباب اليوم والمتمثل في الأسر النووية المنتشرة اليوم في المجتمع العماني، أي ما يقارب من (30) عاما، وهذا أمر متوقع في ظل قناعات متوارثة، وخلفية تاريخية ليس يسيرا على كبار السن، ومن هم في شاكلتهم أن يستوعبوا برنامجا يمكن أن يذهب إلى التقليل من الإنجاب، في ظل ظروف اقتصادية متذبذبة، وإن عملت الجهات المعنية بجد في عدم طغيانها على واقع الناس.
هذا مثال؛ وأما المثال الآخر فهو واقع الانتخابات التشريعية والتي نعيشها الآن، والتي تقطع من عمر مسيرتها أيضا (30) عاما تقريبا عبر (8) فترات، وهي تدخل اليوم فترتها الـ (9) بعد أقل من شهرين، صحيح أن هناك علاقات اجتماعية تقليدية لا تزال تؤثر على نقاء عملية الانتخابات بالصورة المأمولة، ولكن في المقابل هناك نمو توعوي نوعي ملموس، فعبر مقال نشرته في هذه الصفحة بتاريخ 15/‏7/‏2019م، ذكرت فيه النص التالي: «استشهد على الإحصائية التي نشرتها وزارة الداخلية عبر موقعها الإلكتروني، وهي إحصائية المرشحين حسب المؤهلات العلمية للقوائم الأولية للمرشحين لانتخابات أعضاء مجلس الشورى لهذه الفترة، وقد بينت هذه الإحصائية التصنيف التالي: (32) من حملة شهادة الدكتوراه (29 ذكور؛ 3 إناث) و(91) من حملة شهادة الماجستير (82 ذكور؛ 9 إناث) و(249) من حملة شهادة البكالوريوس (238 ذكور؛ 11 إناث) و(74) من حملة شهادة الدبلوم العالي ( 69 ذكور؛ 5 إناث) و(321) من حملة شهادة التعليم العام (306 ذكور؛ 15 إناث) فهذه المؤشرات الإحصائية بالغة الدلالة، لتقييم أعضاء الفترة، ولجس نبض مستوى الوعي السياسي فالمواطن يدرك اليوم؛ بما لا يدع مجالا للشك؛ الأدوار المنوطة على أعضاء مجلس الشورى، والمهام الجسيمة التي تنتظره في المرحلة القادمة»- انتهى النص -.
فمن خلال هذه الإحصائية الماثلة أعلاه يستطيع أحدنا أن يقيس مستوى الوعي السياسي الذي وصل إليه الفرد في المجتمع العماني، ربما لن نرفع سقف طموحاتنا كثيرا لأن يكون كل الـ (32) من حملة شهادة الدكتوراه، أو عدد غير قليل من الـ (91) من حملة شهادة الماجستير، ضمن تشكيلة مجلس الشورى في فترته التاسعة، ولكن؛ يقينا؛ سيكون الكثيرون منهم موجودين، وهذا أيضا يعيدنا إلى فهم وطبيعة مستوى الوعي لدى الفرد العماني بشكل عام، ومجمل النتائج سواء في الانتخابات التشريعية أو البلدية، أو لأي برامج أخرى تتبناها جهة ما، فلا تزال الروابط الاجتماعية التقليدية مؤثر، وبشكل كبير في إرباك منظومة الوعي الشامل، وبالتالي يصعب التكهن بإطلاق الحكم المطلق المتوقع للنتائج، ولكن ما يظهر قبل النتائج من حراك توعوي واضح في مختلف البرامج، يعكس مدى التطور الكبير في هذا الاتجاه، خاصة عندما يقاس الأمر على فترته الزمنية، والتي تظل قصيرة، قياسا بعمر الأجيال، فالنهضة المباركة التي تقترب اليوم من اكتمال عقدها الخامس، يعتبر ما تحقق على مستوى الوعي الفردي إنجازا يشار إليه بالبنان، وما نراه من تفاعل غير عادي عبر وسائل التواصل الاجتماعي لمختلف الشأن العماني، وما يطرح من آراء، ومن حلول، ومن تساؤلات، ومن رؤى استشرافية، كل ذلك لم يأت من فراغ، وبالتالي فالمقياس الزمني لـ (50) سنة، وسط هذه التحقق النوعي للوعي الجمعي يعتبر إنجازا مهما، ويمكن أن يبنى عليه واقع المجتمع في مراحله الزمنية القادمة، وهذا أمر جد مهم، ويجب أن تراهن عليه المؤسسة التنموية في مناخاتها المتعددة، لتنفيذ أجندتها الاجتماعية، والاقتصادية والثقافية، والسياسية كذلك، فهذا وعي محسوب، ويستحق الثناء، وفي مقابل ذلك أيضا؛ يستحق أن يوضع له حساب التأثير على الواقع، وأن لا يهمل، أو يغض الطرف عنه لقدرته على صياغة واقعه بالصورة التي تحقق له مجموع الاستحقاقات التي يراها من حقه أن تكون واقعا ملموسا على الأرض.
والسؤال المهم هنا أيضا، واختم به هذه المناقشة، وهو: أين موقع المؤسسة الرسمية من توظيف أدوات الوعي في ممارساتها المختلفة، سواء في النقلة النوعية لهذه الممارسة، أو في التعاطي مع الآخر «طالب الخدمة» ومجموعة الحوارات القائمة بين الطرفين في مناخات المؤسسة شاملة، لأن مجموعة الشكاوى التي تطرح عبر وسائل الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي عن عدم قدرة المؤسسة؛ في جانبها الإداري؛ التوازي مع طالب الخدمة؛ كمثال بسيط؛ في الوقت الذي تكتسب فيه الممارسة الإدارية بعدا تدريبيا ومعرفيا، كبيرا، وهي تقترب اليوم من عقدها الخامس، فيفترض وفق سياق الواقع المعرفي وتأثيراته المختلفة، وحمولة الوعي المتحصلة من كل ذلك، أن لا تكون اليوم هناك شكاوى مطروحة على الإدارة ووصفها بكل أريحية على أنها إدارة «بيروقراطية» وفي ظل ثورة اتصالية غير مسبوقة، وبالتالي فوجود مثل هذه الشكاوى أو الملاحظات، يعكس ذلك انفصاما واضحا، بين أية مؤسسة غير قادرة على التوازي مع ما وصل إليه وعي الفرد في المجتمع، وبطء عمل الحكومة الإلكترونية أحد الأمثلة الملموسة، وهي مشكلة مؤسسة، وليست مشكلة فرد (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون).