السلطنة وثقافة السلام

تعتبر ثقافة السلام من الإرث الإنساني العظيم الذي تَشكّل عبر عصور وحقب من التجربة البشرية على كوكب الأرض، وتهدف إلى تعزيز التواصل الإيجابي بين الناس بحيث يعملون على الاستفادة من خبرات بعضهم البعض وتطوير القدرات والأفكار لبناء الحياة الأفضل في العالم.
خلال القرن العشرين وبعد المرور بتجربة الحربين العالميتين الأولى والثانية فإن دول العالم المتقدم بوجه خاص شعرت بالحسرة والألم والندم على الملايين من البشر الذين فقدوا في الحربين كذلك الأموال المهدرة والطاقات وتجربة الاستعمار المريرة للعديد من الدول والشعوب، ومن ثم جاء على إثر ذلك إنشاء الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية التي تصب في إطار تعزيز السلم الدولي ونشر ثقافة السلام الإنساني بين الناس.
في الثالث عشر من سبتمبر من كل عام، فإن العالم درج عبر الأمم المتحدة على الاحتفال بالذكرى السنوية لاعتماد الإعلان وبرنامج العمل بشأن ثقافة السلام تحت شعار «تمكين البشرية وتحويلها»، الذي أكمل عشرين سنة هذا العام.
في هذا الإطار يأتي انعقاد المنتدى الرفيع المستوى، الذي نظمته الدورة الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة، بهذه المناسبة، الذي تشارك فيه السلطنة، وقد حمل لافتة «بناء ثقافة السلام وتعزيزها».
ثمة حرص في إطار الحدث على زيادة فرص إيجاد سبيل مستدام لثقافة السلام لتحقيق خطة 2030 بهذا الخصوص تماشياً مع جملة أهداف التنمية المستدامة والشاملة، وهو ما تقوم عليه العديد من الدول في إطار الالتزام العالمي، والسلطنة حريصة أشد الحرص على هذا المسار.
وقد أكدت السلطنة في كلمتها في المنتدى الرفيع المستوى حول ثقافة السلام، على أن السلام لا يتحقق بالأقوال وإنما بالأفعال والتصرف وفق المبادئ والقيم الدولية، وهو ما يصب في جوهر ومرتكزات فلسفة السياسة الخارجية العمانية المعروفة التي تقوم على مبادئ راسخة منذ التأسيس المبكر لها في مطلع السبعينيات من القرن الماضي.
هناك اتجاه أممي عبر الأمم المتحدة والمنظمات العديدة، بالنظر إلى ثقافة السلام على أنها عملية تحول فردي وجماعي ومؤسسي، وأن تكاملية هذه الجهات والأدوار سوف تقود إلى عالم أفضل من حيث بنى السلام وأرضيته المشتركة بين البشر، ويجب الاشتغال على هذا الموضوع ليكون ثقافة لكل العالم.
ويجب الإشارة إلى أن الإعلان بهذا الخصوص، فيما يتعلق بثقافة السلام، يعتبر أحد أهم موروثات الأمم المتحدة، وهو يشكل وثيقة عالمية وتاريخية لوضع القواعد والمعايير، وهنا يجب التأكيد على التزام السلطنة التام بالمواثيق الدولية والمسارات المنظمة لهذه الجوانب.
إن الحديث عن ثقافة السلام في السلطنة وإيمانها الراسخ بهذا الجانب شيء أصيل ولا مساومة عليه، وليس أبلغ دليل على ذلك سوى الاستقرار الذي تعيشه بلادنا بحمد الله وبفضل السياسة الحكيمة للقيادة السامية، بتأصيل المعاني السمحة لإنسان عُمان ورحلته عبر التاريخ القائمة على التسامح والإخاء وتعزيز كافة المعاني الإنسانية.
أخيراً من يقرأ التاريخ ويبصر صورة الحاضر، سوف يلمح ذلك التطابق والمسار المتصل للتجربة العمانية في ثقافة السلام النابعة من الأصالة وطبيعة المجتمع وروحه، وهي تشكل عامة ذلك الموروث التاريخي الذي يمضي ضارباً بجذوره في عمق التاريخ وينعكس على اللحمة الوطنية.