تنافـس اسـتثماري فـي أفريقـيـا

توم ويلسون – الفاينانشال تايمز –
ترجمة قاسم مكي –

عندما غادر رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بلاده في أول «زيارة دولة» رسمية له خارج إفريقيا في مايو 2018 لم يذهب إلى واشنطن أو لندن أو بيجينج ولكن إلى الرياض وذلك قبل أن يتجه إلى أبوظبي. أعقب آبي تلك الجولة برحلة إلى الدوحة ثم زار مرة أخرى الرياض وأبوظبي. حدث كل ذلك خلال أول سنة له في رئاسة الوزارة.
كان تجنب آبي للمراكز الدولية التقليدية والذهاب بدلا عنها إلى الشرق الأوسط يرمز إلى الحرية الجديدة التي تمتعت بها الحكومات الإفريقية في اختيار مصادر الاستثمار الأجنبي المباشر في ظل احتدام المنافسة على فرص الاستثمار في الاقتصادات الإفريقية التي يتسارع نموها.
كانت اثيوبيا تعتمد إلى حد كبير على الاستثمار المدعوم حكوميا من الصين خلال معظم العقد الماضي. لكن آبي منذ مجيئه إلى السلطة في عام 2018 وعد بتحرير اقتصاد إثيوبيا وفتح مختلف القطاعات أمام مصادر جديدة للاستثمار الأجنبي. ففي وسط أديس أبابا تتولى مجموعة تطوير عقاري مقرها أبوظبي بناء 4000 وحدة سكنية (شققا) وثلاثة فنادق ومركز تجاري على قطعة أرض مساحتها 36 هكتارا تحيط بمحطة القطارات السابقة بالمدينة. وبنهاية عام 2018 كانت توجد حوالي 200 شركة تركية في أثيوبيا بحسب وزارة الخارجية التركية. وفي وقت لاحق هذا العام ستدعو إثيوبيا المستثمرين للاستثمار في قطاع اتصالاتها لأول مرة ومن المتوقع أن تتقدم شركات من المملكة المتحدة فرنسا وجنوب أفريقيا بعطاءات إما للحصول على طيف ترددي أو أسهم في شركة «إثيوتيليكوم» المملوكة للدولة.
يقول آشلي إليوت، الشريك الإداري بشركة «سوفالا بارتنرز» الاستشارية، «نحن نشهد اهتماما بالاستثمار في إثيوبيا من كل ركن من أركان الدنيا تقريبا. لكن لا يقتصر السعي لتنويع مصادر الاستثمار (بلدان المستثمرين) على إثيوبيا فقط بل نجده في القارة الإفريقية بأكملها.
لا تنحصر جاذبية إفريقيا في مواردها الطبيعية الضخمة ولكنها تشمل أيضا سكانها الذين تتزايد أعدادهم بسرعة وأسواقها المختلفة وانفتاحها على الابتكار. دفعت كل هذه العوامل الجاذبة في القارة مختلف البلدان من روسيا إلى الهند إلى قطر للتنافس من أجل الفرص والنفوذ. يرى أبيبي أبيبايهو، رئيس مفوضية الاستثمار الإثيوبية أن هذا الاهتمام المتعاظم من جانب المستثمرين أتاح للدول الإفريقية سيطرة أوسع وسلطة أكبر لتشكيل تركيبة الاستثمار الأجنبي المباشر الذي تحصل عليه من الخارج. يشرح ذلك بقوله «في الماضي كان أي مستثمر قادم دون ترتيب مسبق يحصل على إذن استثمار من المفوضية أما الآن فنحن في الواقع نجري دراسات قطاعية ونتعرف على البلدان التي لديها أداء ناجح في القطاع (الاقتصادي) المعني. ويضيف المسؤول الإثيوبي «سنحاول استخلاص الدروس بل وحتى تبني أدوات سياسات معينة قد يكون تطبيقها ناجحا في مثل تلك البلدان. نحن أيضا نركز على شركات معينة قادت النجاح في القطاع المستهدف هناك ثم نحاول الاتصال بتلك الشركات».
حرض هذا المستوى من المنافسة المحتدمة على سباق «تسلح» استثماري جديد مع سعي المانحين القدامى والشركاء الجدد لتقوية روابطهم التجارية مع البلدان الإفريقية. ففي هذا العام من المقرر أن تعزز الولايات المتحدة نفوذها في المنطقة من خلال إنشاء «مؤسسة الولايات المتحدة لتمويل التنمية الدولية في شهر أكتوبر والتي ستحصل على ميزانية تصل إلى 60 بليون دولار وعلى تفويض بالاستثمار في البلدان النامية. كما خصصت مجموعة سي دي سي (مؤسسة الكومونولث للتنمية سابقا) وهي ذراع المملكة المتحدة للاستثمار فيما وراء البحار 3.5 مليار دولار للاستثمار في الشركات الإفريقية في الفترة بين 2018 و2021. هذا في حين تتوقع روسيا استضافة العشرات من رؤساء الدول في أول قمة روسية إفريقية في أكتوبر بمنتجع سوشي على ساحل البحر الأسود.
يقول آندرو جونز، رئيس مجموعة إفريقيا بالشركة القانونية البريطانية « لينكليترز»، أن هذه المنافسة لا تجتذب مستثمرين جدد فقط ولكنها أيضا تدفع باللاعبين الحاليين للدخول إلى أسواق جديدة. ويقول « نحن نشهد المستثمرين الحاليين في إفريقيا وهم يذهبون إلى أماكن في القارة لم يسبق لهم أن فكروا في الذهاب إليها. فالجنوب إفريقيون يستثمرون في البلدان الناطقة باللغة الفرنسية والفرنسيون يذهبون إلى إفريقيا الناطقة باللغة الإنجليزية». وفي عام 2017 صار إيمانويل ماكرون أول رئيس فرنسي يزور غانا الناطقة بالإنجليزية خلال 60 عاما. وهذا العام رتب زيارات دولة إلى إثيوبيا وكينيا وجيبوتي وأعقبه وفد من رؤساء الشركات الفرنسية.
يقول إليوت أن عوامل الدفع والشد التي تقود كل صنف من أصناف الاستثمار الأجنبي المباشر مختلفة فهي مزيج من الدوافع. ويضيف أن هنالك تزايد في الاستثمار من بلدان مثل تركيا وجنوب إفريقيا. ويعتقد أن ارتفاع مخاطر استثمار الشركات محليا يجعلها تسعى إلى تنويع استثماراتها في أسواق إفريقيا جنوب الصحراء.
يتوقع أليوت أن تشهد الجولة التالية للاستثمار في القارة ازديادا في الصفقات الإفريقية مع الشركات التجارية اليابانية الكبيرة والتي ربما تتطلع إلى اللحاق بالسباق الدائر للفوز بالفرص الإفريقية.
يقول المسؤول الإثيوبي ابيبي أن المحصلة ستكون إيجابية بالنسبة لتنمية إفريقيا إذا كانت بلدانها تخطط استراتيجيا وقادرة على إدارة التنافس الجديد بفعالية. ويضيف « نحن لا نتعامل فقط مع الصين أو الاتحاد الأوروبي أو أمريكا… نحن نحاول أن تكون لدينا سياسة براجماتية في اختيارنا للمشروعات وإمكانياتنا الاستثمارية واسعة».